«تصحيح الأحاديث» حين تُصبح الثقة معياراً للحقيقة المطلقة

22-06-2025

ما أضيق الحقيقة حين تُقاس بعيون الرجال وتقديراتهم الظنية، وما أوسع الباطل حين يُمنح سنداً من ذهب. بين السطر والسطر يكمن ما لم يُقَل.. فهل كانت كلمة "صحيح" التي أُطلقت على الروايات التاريخية المسماة بالسنة النبوية تعني الحقيقة بمعنى أن النبي الأكرم قد قال ذلك يقيناً؟ أم إنها مجرّد توقيعٍ على ظنٍّ بشريٍّ قائم على التقدير وفق معايير اصطلاحية خاصة؟

ليس كل ما وُصِف بأنه "صحيح" –سواء أكان في صحيح البخاري أو صحيح مسلم أو غيرهما من كتب الحديث كـ"الترمذي" و"أحمد"– يعني بالضرورة أن النبي ﷺ قد قاله بالفعل. إنما تُطلق كلمة "صحيح" عند المحدّثين بمعناها الاصطلاحي، لا بمعناها اليقيني المطلق، فهي تشير فقط إلى أن الرواية قد استوفت الشروط والمعايير التي وضعوها هم –كبشر– لقبول الروايات، من اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم، وغير ذلك من الشروط التي قد تختلف بين مدرسة وأخرى، ومُحدّث وآخر.

أما إذا كان المراد من وصف الحديث بـ"الصحيح" هو القطع بأن النبي قد قاله حقاً ويقيناً، فإن ذلك يستدعي بالضرورة تقسيم الروايات إلى صنفين لا ثالث لهما: إما صحيح يقيني ورد على لسان النبي، أو باطل مرفوض دُس عليه. ولا يصح –حينها– أن نجد بين هذين الحدّين أصنافاً وسطى كـ"الحديث الحسن" أو "الضعيف" أو "الحديث الحسن لغيره" أو "الذي له شواهد"؛ فهذه التوصيفات كلّها تعني ضمناً أن المعيار ليس اليقين، بل هو التقدير النسبي والاجتهاد البشري.

إنّ هذه التدرجات في تقييم الروايات لا تنتمي إلى منطق الحقيقة المطلقة، بل إلى ميزان احتماليّ بشري، يتأرجح بين الثقة والظن، بين الظاهر والباطن، بين اجتهاد المحدّث وتقديره، لا بين وحي منزل ويقين لا مراء فيه أو باطل مزيف ومنحول.

وهنا تبرز الإشكالية الجوهرية في منهج التصحيح والتضعيف المبني على السند وحده، أي على سلسلة الرواة الناقلين عن بعضهم البعض وتزكيتهم. إنّ الاعتماد المطلق على السند –دون فحص دلالة المتن وموافقته لميزان القرآن والعقل– يوقعنا في مفارقة مزدوجة ينبغي أن نتنبّه لها:

أولاً: إننا حين نمنح الثقة الكاملة لرجل ما في سلسلة السند –ونعتبره عدلاً ضابطاً– فإننا نميل إلى قبول كل ما يرويه، حتى وإن كان فيه وهم أو خطأ أو نسيان، لأننا سلّمنا مسبقاً بعدالته وتزكيته وهو ليس معصوماً. وبهذا نقع في خطر قبول الخطأ على أساس الثقة، وليس على أساس الحقيقة.

وثانياً: إننا قد نرفض رواية رجلٍ آخر –فقط لأننا لا نثق به– مع أنه قد يكون صادقاً في خبره ذاك. وهكذا نكون قد رددنا حقاً محتملاً لأن قائله لم يحظَ بثقتنا، وقد يصدق في بعض الأوقات. وهذا خلل منهجي، لأن الصدق لا يلازم شخصاً بعينه دائماً، كما أن الكذب لا يُلازم أحداً أبداً. فمن الناس من يصدق في مواطن ويكذب في أخرى، ولا أحد يُحاط بالعصمة إلا النبيين في بلاغ رسالات الوحي من ربهم، ولا أحد يُطوّق بالكذب المطلق.

فمنهج الاعتماد على السند وحده يُحيل الرواية إلى اختبار اجتماعي للثقة، لا إلى اختبار موضوعي للحقيقة. إذ تصبح الرواية مقبولة إذا كانت صادرة ممن نثق به –مهما كان مضمونها– ومرفوضة إذا كانت من غير المقبولين، مهما كانت منطقية أو مؤيدة للقرآن أو متسقة مع السنن الكونية والشرعية.

والأخطر من ذلك، أن هذا المنهج قد يجرّنا إلى تبجيل "الرجال" أكثر من "الرسالة"، وإلى التعلّق بفلان وعلان بدلاً من وزن الرواية بميزان القرآن المحفوظ. بينما الواجب –كما علّمنا القرآن– أن نُحكّم الكتاب أولاً، ونعرض عليه كل ما نُقل من قول أو رواية، فما وافقه قُبل، وما خالفه رُدّ، مهما كان قائله. خاصة ونحن نرى النهي والتقريع القرآني عن تزكية الرجال على اليقين.

يقول تعالى: 

{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ یُزَكُّونَ أَنفُسَهُمۚ بَلِ ٱللَّهُ یُزَكِّی مَن یَشَاۤءُ وَلَا یُظۡلَمُونَ فَتِیلاً (٤٩) ٱنظُرۡ كَیۡفَ یَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَكَفَىٰ بِهِۦۤ إِثۡمࣰا مُّبِیناً (٥٠)} [سُورَةُ النِّسَاءِ: ٤٩-٥٠].

ولا يعني ذلك أننا نُقلّل من جهد المحدّثين أو ننتقص من علمهم، بل نُعيد الأمور إلى نصابها، ونُميّز بين الاجتهاد البشري في التصحيح و"الوحي الإلهي في البيان". فالفرق بينهما كالفرق بين الظن واليقين، بين المحدود والمطلق، بين الخبر والوحي.

لهذا، فإننا مدعوون اليوم إلى إعادة النظر في كثير من المفاهيم المستقرّة، لا لرفضها جملةً، بل لتنقيحها، وتفكيك منطقها الداخلي، وإعادة بنائها على أساس قرآني يحرر العقل، ويكرّم الرسالة، ويصون النبوة من أن تُنسَب إليها أقوال لم تصدر عنها.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

«الصحيفة الصادقة».. إيهام العقول وتمرير الأجندة

ياسر العديرقاوي

06-07-2025

آراء الكتاب

لماذا أُمر النبي باتباع ملة إبراهيم؟

ياسر العديرقاوي

17-08-2025

آراء الكتاب

ميراث العباد من النبوة

ياسر العديرقاوي

04-05-2025

آراء الكتاب

مفهوم النشوز في لسان التنزيل بعيداً عن المعاجم

ياسر العديرقاوي

12-05-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة