يُعرَّف زواج القاصرات بأنّه زواج الأطفال ما دون سنّ 18 عاماً، وهو السنّ الذي تستند إليه الاتفاقيات والمواثيق الدولية كحدّ للطفولة، وتنتشر هذه الظاهرة بشكل متفاوت في المجتمعات العربيّة، وبحسب إحصائية للأمم المتحدة فإنّ 14% من الفتيات في المنطقة العربية يتزوجن في سنّ مبكّرة تحت الثامنة عشرة وأحياناً قبل الخامسة عشرة. وبينما تسجّل بعض الدول نسباً منخفضة وتراجعاً في عدد زيجات القصّر تماشياً مع تطوّر الوعي وسنّ قوانين محليّة تلائم العهود الدولية وصكوك حقوق الإنسان، ترتفع هذه النسبة في الدول التي تعاني الأزمات الاقتصادية وويلات الحروب، وفي المجتمعات التي تزيد فيها أعداد اللاجئين على غرار اليمن والسودان وسوريا؛ إذ عادة ما تكون النساء والأطفال الفئات الأكثر هشاشة والأكثر عرضة لتداعيات تلك الأوضاع السلبيّة عليها.
تؤكّد الصكوك الحقوقيّة الإنسانيّة المعاصرة أنّ تزويج القاصرات يشكّل اعتداء عليهنّ وانتهاكاً لحقّ الطفولة وشكلاً من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعيّ، ومن أجل الحدّ من هذه الظاهرة وضبطها عملت التشريعات في الدول العربيّة على تقنين سنّ الزواج، فحدّدته في 18 عاماً، ووضع بعضها استثناءات قانونية وقضائية تسمح بالزواج تحت هذه السنّ، وهو ما يفتح الباب لاستمرار هذه الظاهرة، غير أنّ للمسألة فضلاً عن بعدها القانونيّ وجوهاً أخرى اقتصادية واجتماعية وثقافية ودينية. فتفشّي ظاهرة تزويج القاصرات يفسّره الواقع الاقتصاديّ والاجتماعيّ المتردّي؛ إذ يدفع الفقر وفقدان أسباب العيش الكريم الأسر إلى تزويج بناتهنّ في سنّ مبكّرة للتخفيف من أعباء الإنفاق عليهنّ. كما تفسّره دواع من قبيل المحافظة على شرفهنّ وشرف العائلة وأنّ الزواج ستر للبنت، وهو ما يعكس رؤية قائمة على التمييز الجندريّ وعلى تفاضل في توزيع الأدوار بين الجنسين في الأسرة والمجتمع.
وتبرز من بين وجوه هذه الظاهرة وجهها الدينيّ المتمثّل في جملة التبريرات التي تقدّم باسم الدين لإضفاء الشرعية عليها، وتكمن هذه التبريرات في جملة من الأدلّة المستمدّة من القرآن ومن سيرة الرسول (ص). فبالنسبة إلى القرآن، تقدّم الآية الرابعة من سورة الطلاق في قوله تعالى: "وَالَّلائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَالَّلائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً"، ويتوقّفون عند المقطع "وَالَّلائِي لَمْ يَحِضْنَ" في علاقة بالعدّة دليلاً على جواز تزويج الطفلات؛ يقول السعدي في تفسيره: "وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ أي: الصغار، اللائي لم يأتهن الحيض بعد، والبالغات اللاتي لم يأتهن حيض بالكلية، فإنهن كالآيسات، عدتهن ثلاثة أشهر". وأمّا سيرة الرسول (ص) فيستشهدون بزواج النبيّ (ص) من عائشة، حيث تقول الرواية المنقولة والمتداولة في مصنّفات الحديث أنّ الرسول (ص) خطبها وهي بنت ستّ سنوات ثمّ بنى بها في سنّ التاسعة، ويعتبرون ذلك دليلاً على إباحة الزواج من الصغيرات، وأنّ من يفعل ذلك فهو يقتدي بسيرة النبيّ (ص).
تُقدّم الآية القرآنيّة منزوعة من سياقاتها النصية والتاريخيّة، وتُقدّم رواية زواج النبيّ (ص) من عائشة دون تمحيص في مدى صحّتها؛ إذ تحوم حولها شكوك حول سنّها آنذاك، فضلاً عن التفاسير القديمة، أدلّةً تضفي شرعية دينيّة موهومة على وجاهة تزويج القاصرات، ذلك أنّ الأمر يتعلّق بمسألة مرتبطة بالأعراف الاجتماعية، فقد كانت مثل هذه الممارسات شائعة في المجتمعات التقليدية ذات البنية العشائرية والقبلية والتي تهيمن فيها الثقافة الذكورية، حيث كانت مؤشرات البلوغ الجسديّ تظهر بصفة مبكّرة، وكانت المرأة تُمثّل العرض والشرف، فيكون الزواج في سنّ مبكّرة ستراً لها وحفظاً لعرض العائلة وشرف العشيرة، فضلاً عن كونه يُنظر إليه باعتباره يخفّف على العائلة حملاً ثقيلاً.
إنّ استمرار هذه الظاهرة اليوم هو استمرار لعادات اجتماعية ما عادت تتناسب مع التحوّلات التي طرأت على الهيئة الاجتماعية المعاصرة في مستوى بنية المجتمعات ونظام العلاقات الاجتماعية وفي مكانة المرأة وحقوقها، وهي مخالفة للقيم الحديثة المتعلّقة بحقوق الطفولة وبخاصّة حرمانها من الحقوق الأساسية في التعليم والرعاية الصحية، ولا تأخذ بعين الاعتبار التداعيات والمضاعفات الجسدية والصحية والنفسية الخطيرة بحسب ما تثبته الأبحاث الطبيّة الحديثة التي تتعرّض لها الصغيرة خصوصاً في البيئات الهشّة والمهمّشة.
وأمّا من الناحية الدينيّة، فإنّ تزويج القاصرات لا يستجيب للمقاصد والمبادئ الشرعية من الزواج وبخاصّة ربطه بقيم المودّة والرحمة والسكينة من ناحية، وبشروط التكليف والرشد والاستطاعة والرضا وعدم إلحاق الضرر والقدرة على تحمّل مسؤولية القيام بشؤون الأسرة من ناحية أخرى. وتتأرجح مواقف الهيئات والمؤسسات الدينية والتشريعات القانونية المعاصرة بين الأخذ بعين الاعتبار معيار البلوغ واشتراط 18 عاماً سنّاً قانونية لإبرام عقد الزواج، وبين السماح بزواج من دون تلك السنّ بشروط منها عدم إيذائها والحصول على إذن قضائيّ، وهي مواقف وتشريعات تعكس في مجملها الوعي بضرورة تطويق هذه الظاهرة والحدّ منها. ويبقى الأمر في حاجة إلى تكثيف التوعية والتثقيف بمخاطر هذه الظاهرة وبما تشكّله من انتهاك لحقوق الطفولة، وهي بذلك مخالفة لقيم الإسلام ومقاصده.