في المجتمعات الإسلامية يبدو على العموم أن الحقيقة تكون مطابقة لما يمثل التقاليد والعادات المتبعة، وما يوافق رؤية التيار السائد، وليس ما هو صحيح واقعياً أو منطقياً وعلمياً أو تاريخياً، ولهذا يؤدي مناخ التقليد والاتباع العام إلى تكريس الخرافة ومختلف أساليب التسوية النفسية في مواجهة صرامة الواقع وقساوته.
يحدث هذا خصوصاً بسبب فشل هذه المجتمعات في إنجاح مشروع الانتقال نحو الديمقراطية وثقافة المواطنة والحرية، حيث صار الانطواء على الذات هو الحل الأمثل في مواجهة تحديات عالم يتغير بسرعة؛ إذ بما أننا لم ننجح في اللحاق به، نقوم بمقاطعته، أو بالأحرى مواجهته بمنظومة التراث المنهكة، والتي ما زلنا نفخر بها أمام الانفجار المعرفي الحادث في العالم، والذي لم يكتفِ باكتشافات جديدة فقط، بل أعاد النظر في الكثير من قواعد التفكير وأساليب النظر، وأخرجنا من "باراديغم" إلى آخر.
يمثل الفرد في بلدان منطقتنا عضواً في جماعة، وقيمته في مدى إذعانه لثوابت الجماعة واختياراتها التي لا تتغير، ولهذا يصعب الحديث عن بزوغ الفرد في هذه المجتمعات، ووجوده بالمعنى الدينامي المطلوب، والذي يجعل منه فاعلاً أساسياً في عملية التغيير والتطور. كما يصعب لهذا السبب -أي غياب الفرد- الحديث عن الحرية أو الإبداع بدون عواقب؛ ذلك أن من التمثلات الاجتماعية السائدة التي يؤطرها الفكر الديني التراثي، أن الحرية "فوضى"، والإبداع "عصيان ومؤامرة".
ولا يقتصر تأثير هذا الوضع على حياة الأفراد فحسب، من خلال شعورهم بالقهر الاجتماعي والعيش تحت الوصاية والخوف، بل ينعكس حتماً على الدولة ككل، ذلك أن إنتاجية الفرد في المجتمعات الحديثة ترتبط ارتباطاً عضوياً بالحرية والشعور بالكرامة؛ إذ لا إبداع بدون حرية، ولا طمأنينة مع القهر والوصاية.
ومن المفارقات التي أصبحت اليوم واضحة للعيان أن التطور التقني والمادي للبنيات التحتية ولمؤسسات الدولة الحديثة في منطقتنا لم يجلب معه أي تطور ذهني في المستوى المطلوب الذي يتلاءم مع انتشار التقنيات المتطورة، بل إن تطوير القوانين نفسها التي لها صلة مباشرة بواقع الناس وسلوكهم اليومي لم يؤدِّ إلى تحرير العقليات، بقدر ما أدى على العكس إلى تصادم بين الدولة والمجتمع، وهو التصادم الذي تعبر عنه "الفتوى" الدينية التي تأتي في الغالب معاكسة للتطور القانوني والاجتماعي والقيمي، وتُمثل "الفتوى" هنا نوعاً من "الفيتو" أو الممانعة ضد مسلسل التحديث الذي انطلق تقنياً ومادياً قبل أن يمتد إلى القوانين والمعايير والقواعد الاجتماعية التي ظل بعضها راكداً، أو متعايشاً مع منظومة القيم التقليدية، ولا أدل على ذلك من أن من آخر الأرقام المعلنة في المغرب هذه الأيام أن 80% من سكان البلد يقبلون عمل المرأة ومشاركتها في مختلف الميادين وقطاعات الدولة، لكن بالمقابل سنجد وسط هذه النسبة المرتفعة أقلية صغيرة تقبل بمراجعة قانون الأسرة لصالح المرأة العاملة والمنتجة، وهذا معناه أن الرجال يقبلون بعمل المرأة لأن ذلك يتيح لهم إمكانية العيش في رفاهية أكبر بوجود راتب المرأة ومشاركتها في الإنفاق على الأسرة، لكنهم لا يقبلون بالتنازل لها عن امتيازاتهم القديمة التي منحها إياهم الفقه التراثي القديم في إطار نظام "القوامة" التقليدي، هذا النظام الذي اهتز واقعياً، ولكنه لم يتزحزح في أذهان الناس وعقولهم، مما يفسر الكثير من السلوكات الشيزوفرينية وأشكال التشظي بين الوعي والممارسة.
ومعلوم أن رأب الصدع بين التقنية والتطور المادي والمؤسساتي وبين وعي الناس وسلوكاتهم يقتضي تأطير المجتمع والعمل على إدماجه في مشاريع الدولة عبر التوعية اليومية، من خلال التعليم ووسائل الإعلام وعمل الأحزاب السياسية وتأثير الجمعيات المدنية الأهلية، حيث بدون هذه الجهود ستظل الهوة قائمة بين واقع الناس وأسلوب تفكيرهم، مما سيجعل مهمة البناء والتطوير صعبة للغاية، أو على الأقل تعاني من تردد وبطء شديد، أو من تعثرات وتراجعات بين الفينة والأخرى.