استقر في ضمائر المسلمين ووجدانهم، منذ المرحلة التأسيسية إلى اليوم، أن القرآن هو كلام الله ورسالته إليهم، بل إلى البشرية كافة؛ فهو الكلمة الخالدة التي تصلهم بربهم وبها يتعبدون. وقد نشأ الفكر الديني في تاريخ الإسلام في حياض النص القرآني أساساً، وقد عبَّر جلال الدين السيوطي عن ذلك في قوله: "كل كمال ديني أو دنيوي عاجلي أو آجلي مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية، وهي متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى". وقد احتكر القول فيه من جهة إنتاج المعاني والرؤى مَن امتلكوا ناصية العلم "الشرعي"؛ فقد انقسم الناس قديماً إلى صنفين؛ صنف مكلف في نفسه وهم العامة، وصنف مكلف في نفسه وفي غيره وهم الخاصة من أهل العلم، وقد أكد إمام الحرمين الجويني هذا المعنى مميزاً بين العوام وأهل التصرف في الشرع قائلاً: "لا قول لمن لم يبلغ مبلغ المجتهدين وليس بين من يقلد ويقلد مرتبة ثالثة".
لقد كان ذلك الإرث في مجمله نتاجاً تأويلياً محكوماً برهانات عصره، والآفاق الذهنية والأدوات المعرفية المتاحة في الإبستمية التقليدية. وقد شكل التراث الإسلامي الموسوم بالعلوم الشرعية، وبالأخص ذلك التراث الذي يختزله مصطلح "علوم القرآن"، عبارة عن أنسجة نصية ظلت الحياكة النصية فيها تنمو عبر العصور وتعمل على حجب النص المقدس. فقد بات سياجاً كثيفاً مغلقاً محكم الأقفال، أعاق نفاذ أجيال المؤمنين اللاحقة إليه والتواصل مع معانيه وقيمه، فهو ليس إلا جزءاً من الماضي، مفارقاً لهذا العصر مفارقة كلية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، وفي الأدوات المعرفية وفي رؤية العالم، وفاقداً كل راهنية. ويبدو اليوم أن عملية إعادة إنتاج هذا التراث في التعامل مع النص القرآني تقوم بها المؤسسة الدينية، وتُنافسها في ذلك الجماعات الدينية السياسية من أتباع الحركات الإسلاموية التي تتمحور خطاباتها حول التلاعب السياسي بمعاني القرآن؛ إذ تُخضع النص لعملية تأويلية قصدية صريحة أو ضمنية من أجل فرض انتظام معين للمجتمع والسيطرة على مقاليد السلطة. وتتصرف المؤسسة الدينية والجماعات الإسلاموية رغم ما بينهما من فوارق من منطلق الاقتناع أن لا القرآن وحده صالح لكل زمان ومكان، بل إن تلك الرؤية التراثية نفسها للنص ولكيفيات التعامل معه بمقولاتها ومفاهيمها وعلومها صالحة لكل زمان ومكان. وهكذا لم يقتصر الأمر على إعادة إنتاج الموروث فحسب، وإنما أيضاً إعادة إنتاج نظام العلاقات نفسه بين النص القرآني ومن يعمل على احتكار التصرف فيه والمؤمنين، وهو ما كرَّس نمط الوصاية بين المتصرفين في النص والمؤمنين في تدبر معاني القرآن.
ويبدو من الضروري اليوم التحرر من قيود هذه الوصاية المتوارثة وما يترتب عنها من اختطاف للنص من ناحية، ومن تبعية وتوجيه للمؤمنين من ناحية أخرى، وأن يعقد المؤمن صلة بالنص القرآني لا تنحصر فقط في الاحتفاء به من جهة التعبد، وإنما من جهة التدبر قراءةً وفهماً. فتكون قراءة فردية حرة ومسؤولة، وهي نتيجة المحاورة الذاتية بين القارئ والنص، متحررة من أي قيد مؤسساتي، وبعيدة عن أشكال التلاعب والتوظيف الأيديولوجية، وتستثمر الأدوات والمناهج المعرفية التي تتيحها الإبستمية المعاصرة. ولعل من أبرز معالم هذه القراءة أنها تنهض على رؤية للقرآن الكريم بما هو خطاب لغوي ينطوي على بعدين؛ بعد مشدود إلى البيئة الثقافية التي فيها نزل، وبعد مفارق يختزن قيماً أخلاقية ووجودية عليا تجعله مفتوحاً على إمكانات فهم متنوعة بتنوع القراء زماناً ومكاناً، وهذا في رأينا مكمن القول بصلاحيته المتعالية.