المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (4) علم الفرائض بين الديني والثقافي

20-04-2025

استقرت المواريث أو الفرائض باباً من أبواب الفقه، وتطور الاهتمام بها مع ظهور المذاهب الفقهية وتطورها، ولقد كان الفقهاء مدركين أن التصنيف في الفرائض وتثبيت العمل بها يقتضي بدءاً تقييد العمل بالوصية في دلالتها القرآنية، وأن حضور الفرائض في القرآن يستدعي التأويل والاجتهاد، فضلاً عن أنه لا يستوعب كل ما يستجد في الواقع من نوازل. ومن دلائل ما حظيت به من اهتمام أن أصبحت علماً مستقلاً بذاته، يقول ابن خلدون (ت 808هـ) في المقدمة، بعد أن بين أن الاصطلاح ناشئ للفقهاء عند حدوث الفنون والاصطلاحات ولم يكن صدر الإسلام يطلق على هذا إلا على عمومه مشتقاً من الفرض الذي هو لغة التقدير أو القطع: "وجعلوه (علم الفرائض) فناً مفرداً وللناس فيه تآليف كثيرة". 

 لقد بدا واضحاً هذا الاتجاه في التعامل مع فقه المواريث منذ "الموطأ" للإمام مالك (ت 179هـ)؛ فقد تم الفصل بين كتاب الوصايا وكتاب الفرائض، وظهرت المسائل التي ما تناولها القرآن كميراث الجد والجدة وميراث ولد الملاعنة وولد الزنا وميراث أهل الملل، ومن جهة أخرى ارتسم البُعد الاجتهادي في التمييز في ميراث الكلالة بين الإخوة للأم والإخوة للأب، لفك التعارض بين الآيتين 12 و176 من سورة النساء، ولم يعد القرآن الدليل الوحيد للاستنباط؛ فقد كان مالك يعود إلى المأثور عن النبي (ص) وآثار الصحابة والتابعين، وتجلت مرجعية الأعراف الاجتماعية في ميراث ولاية العصبة وميراث الولاء. 

واستقر الأمر على هذا النحو في مدونات الفقهاء من جهة الاجتهاد وتعدد أدلة الاستنباط والاحتكام إلى أعراف الهيئة الاجتماعية. ومع تعدد النوازل عبر العصور، تشعبت مسائل الميراث وتعقدت، فلم يعد الأمر يقتصر على تطبيق أحكام القرآن في الميراث، أو على استنباط أحكام أخرى للتعامل مع حالات مستجدة. فآل الأمر إلى أن استوت الفرائض علماً مستقلاً له ضوابطه وقواعده، وأفرده العلماء بالتأليف، ففي القرن الخامس الهجري ألف أبو الخطاب محفوظ بن أحمد بن حسن الكلوذاني (ت 510هـ)، وهو فقيه حنبلي، كتاب "التهذيب في الفرائض"، وفي القرن السادس الهجري ظهر كتاب مختصر الحوفي للفقيه المالكي أبي القاسم الحوفي (ت 588هـ)، وازدهر التأليف في هذا العلم في القرون اللاحقة، وقد توثقت علاقته بعلم الحساب؛ فدارس علم الفرائض لا بد له من معرفة بطريقتي الجبر والمقابلة، فقد نبه الخوارزمي (ت 232هـ) إلى أنه ألف من كتاب الجبر والمقابلة كتاباً مختصراً "حاصراً للطيف الحساب وجليله لما يلزم الناس من الحاجة إليه في مواريثهم ووصاياهم وفي مقاسمتهم..". وهو ما أكده ابن خلدون بقوله: "ومن المصنفين مَن يحتاج فيها إلى الغلو في الحساب وفرض المسائل التي تحتاج إلى استخراج المجهولات من فنون الحساب كالجبر والمقابلة والتصرف في الجذور"، حتى إنه أصبح يطرح مسائل مما "لم يكن متداولاً بين الناس ولا يفيد فيما يتداولونه من وراثتهم لغرابته وقلة وقوعه"، ولكنه "يفيد المران وتحصيل الملكة في المتداول على أكمل الوجوه".

احتكم هذا العلم في تطوره وفي قواعد النظر في مسائله إلى ثلاثة محددات كبرى، وهي: الرؤية الإسلامية للمال من حيث هو مال الله، والإنسان مستخلف فيه ويُصرف حياً أو ميتاً في وجوهه المشروعة، ومواءمة الأحكام للبنى الاجتماعية وأعرافها القائمة على روابط الدم والنسب والولاء وعلى قوامة الرجل على المرأة، والبحث عن مشروعية الأحكام الدينية من خلال الأدلة الشرعية كما ضبطها الأصوليون منذ الشافعي (ت 204هـ) في قوله: "ليس لأحد أن يقول في شيء حل أو حرم إلا من جهة العلم، وجهة العلم الخبر في الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس".

ويمكن أن نقف في حدود هذا المقال عند مثال يوضح الكيفية التي اشتغل بها العقل الفقهي في هذا المضمار، وهو المثال المتعلق بميراث العصبة؛ فقد استند الفقهاء إلى قاعدة التعصيب حلاً لما يفضل من المال بعد قسمة الفرائض على الورثة. وتتجلى فيها أحكام البنية الاجتماعية وأعرافها من جهة القول بأن العصبة هم قرابة الرجل لأبيه، كما ورد في لسان العرب لابن منظور، وهو المعنى الذي رشحه الاجتماع القائم على العشيرة؛ حيث تمتد روابط الرجل إلى أبناء أخيه وعمومته وأبناء عمومته، ومن جهة الخلفية الذكورية؛ إذ يقول شهاب الدين القرافي (ت 684هـ): "جميع قرابات الأم لم يسموا عصبة لأن أصلهم للأم وهي امرأة". ويستمد القول بالتعصيب حجيته أساساً من الحديث النبوي، ونصه كما جاء في صحيح البخاري (ت 256هـ): "حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وُهيب حدثنا ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأَوْلى رجل ذكر". غير أن ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) نقل في تهذيب التهذيب عن حارثة بن مضرب قال: "جلست إلى ابن عباس بمكة فقلت روى أهل العراق عن طاوس عنك مرفوعاً ما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر، فقال: أبلغ أهل العراق أني ما قلت هذا ولا رواه طاوس عني، قال حارثة فلقيت طاوساً، فقال: لا والله ما رويت هذا وإنما الشيطان ألقاه على ألسنتهم، قال: ولا أراه إلا من قبل ولده"، ولعل ذلك مدخل للطعن في حجية هذا الحديث ومدى استقامته دليلاً للقول بالتعصيب.

وكثيرة هي المسائل التي شقها الخلاف بين الخائضين فيها، كما هو الحال في القول بالعول في حال زادت السهام على أصل الفريضة، ولما سُئل ابن عباس عن سبب سكوته عن حكم عمر بن الخطاب بالعول وقد خالفه الرأي، أجاب: "كان رجلاً مهاباً فهِبتُه"، أو في مسألة ميراث الجد مع الإخوة، حتى أُثر عن علي بن أبي طالب قوله: "من سره أن يقتحم جرثومة جهنم (يقصد قعر جهنم) يجر وجهه فليقض بين الجد والإخوة"، أو في مسألة ميراث الخنثى، وقد أجمل القرطبي (ت 671هـ) الأحكام فيها، فقال: "أجمع العلماء على أنه يورث من حيث يبول؛ إن بال من حيث يبول الرجل ورث ميراث رجل، وإن بال من حيث تبول المرأة ورث ميراث المرأة". وهذا القول برهان ساطع على خلو الأحكام من أي طابع مقدس؛ إذ لا تستند إلى أي مرجعية دينية، وإنما مرجعها "العلماء". فهي محض قول بشري دعت إليه على الأرجح تزايد ظاهرة الخناثى، ما استوجب اجتراح حل لنصيبهم من التركة، وكان المستند في ذلك التمييز القائم على مفهومي الذكورة والأنوثة.

 وإجمالاً يتَّضح من خلال هذه الأمثلة، وغيرها كثير، أن هناك مسافة بين ما نطق به القرآن وما استقر بالاستنباط والاجتهاد في مدونات الفقهاء، ولئن حرصوا على إضفاء مشروعية دينية (مع الانتباه إلى اتساع دائرة الأدلة الشرعية إذ لم تقتصر على القرآن أو حتى الحديث النبوي)، فإن ما سَنُّوه من أحكام في المواريث أغلبها مجهود بشري محايث للواقع الاجتماعي والتاريخي، وناطق بثقافة عصره.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (3) الفرائض في القرآن بين المصرَّح به والمسكوت عنه

د. فريد بن بلقاسم

05-04-2025

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (4) علم الفرائض بين الديني والثقافي

د. فريد بن بلقاسم

20-04-2025

آراء الكتاب

بأي معنى يمكن أن نفهم أن القرآن صالح لكل زمان ومكان؟

د. فريد بن بلقاسم

06-01-2025

آراء الكتاب

زواج المسلمة بغير المسلم بين القرآن والمقالة التفسيرية والفقهية

د. فريد بن بلقاسم

22-05-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة