المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (3) الفرائض في القرآن بين المصرَّح به والمسكوت عنه

05-04-2025

تُمثل الفرائض السجل المعنوي الثاني ضمن محور المواريث في الخطاب القرآني التشريعي، وقد ورد ما يُعرف بآيات الفرائض الدالة على الميراث دلالة صريحة في آيات خمس من سورة النساء، وهي:

7: لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً.

8: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً.

11: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً.

12: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ.

176: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.

يُقرّ الخطاب القرآني في الآية 7 بأنّ للرجال والنساء نصيباً في تركة الوالدين والأقربين، لكنّه لم يحدد على وجه الدقة هوية الأقربين ودرجة قرابتهم من الورثة، ولم يضبط مقدار هذا النصيب على التفصيل. فالدلالة في الآية متمحورة حول الإقرار بحق النساء على وجه الخصوص في الإرث بما يقطع مع العرف الذي كان يحرمهنّ منه، ويؤسّس لسنّة تؤكد حقّهن في تركة الوالدين والأقارب. ويرسم في الآية 8 توجيهاً ذا منحى أخلاقي إنساني يتعلّق بأن يحظى ذوو القربى واليتامى والمساكين بنصيب من التركة أثناء قسمتها.

وينزع الخطاب القرآني في الآيات 11 و12 و176 إلى نوع من التفصيل، فضبط قائمة الوارثين وهم الأبناء ذكوراً وإناثاً والآباء والأمهات والأزواج والزوجات والإخوة والأخوات، فحدّد بذلك أسباب الإرث؛ وهي الإرث المترتّب عن البنوّة والإرث المترتّب عن الأبوّة والأمومة والإرث المترتّب عن الزوجية والإرث المترتّب عن الأخوّة. وقدّر لكل وارث نصيبه حسب الحال والوضعية، وضبط سهام الفرائض في النصف والثلثين والثلث والسدس والربع والثمن، إضافة إلى قاعدة "للذَّكر مثل حظّ الأنثيين" في ميراث الأولاد وميراث الإخوة.

 وقد استقرّ في الأذهان بناءً على هذا المنحى التفصيلي أنّ الدلالة في القرآن في محور المواريث قطعية وفق اصطلاح الأصوليين والفقهاء القدامى، غير أنّ التمعّن في النص بمعزل عمّا لحقه من تفسيرات وتأويلات يجعل القارئ الحصيف يقف عند مستويين من الدلالة، وهما: الدلالة الصريحة وهي التي ذكرنا آنفاً، والدلالة المسكوت عنها، فالمتأمّل في هذه الآيات الثلاث تستوقفه أسئلة كثيرة في هذا المستوى من الدلالة، ويمكن أن نومئ إليها فيما يلي:

- ما هو مصير الباقي من التركة في حالات كثيرة كحالة البنت إذا انفردت ولم يكن للمورّث وريث غيرها فيكون سهم فريضتها النصف؟ فلمَن يؤول النصف الباقي؟

- نطق النصّ بنصيب البنات أكثر من اثنتين وسكت عن نصيب الاثنتين!

- ضبط النصّ نصيب الأمّ إذا انعدم الولد وسكت عن نصيب الأب!

- حدّد النصّ نصيب المرأة المترتّب عن الزوجية في حال وجود الولد وفي حال عدم وجوده، ولكنّ السؤال المطروح في الوضعية التي يكون للزوج أكثر من زوجة، هل ذلك النصيب لزوجة واحدة أم هنّ شريكات فيه؟ وفي حال الطلاق الرجعيّ هل للزوج أو الزوجة نصيب في الإرث؟

- تحدّث النصّ عمّا سمّاها الكلالة في الآيتين 12 و176، وبين الآيتين اختلاف بيّن، فبأيّهما العمل؟

- في حال توفّت امرأة وتركت زوجاً وأختين وليس لها ولد؛ فيكون نصيب الزوج النصف ونصيب الأختين الثلثين، فتكون سهام الفرائض أكبر من التركة!

- في النصّ سكوت عن من يتولّى حصر مقدار التركة ويحدّد الوارثين المستحقّين لها، وكيف يُفصل في الخلافات بينهم إن حدثت لأيّ سبب من الأسباب (ما يدخل في التركة، إنكار أن يكون أحدهم مستحقاً لها..).

 إنّ النظر إلى القرآن باعتباره خطاباً موجهاً إلى جماعة في ظرفية تاريخية خاصة يساعد في فهم هذه المراوحة في مستوى الدلالة بين ما هو صريح وواضح وما هو مسكوت عنه؛ فمن الواضح أنّ الآيات 11 و12 و176 نزلت جواباً عن أسئلة طرحها المؤمنون زمن الدعوة فتعاملوا بها واحتكموا إليها، مع أنّ بعض الأخبار تشير إلى حيرة بعضهم؛ كحيرة عمر بن الخطاب في "الكلالة"، وإلى الاختلاف بينهم في الحالة التي يكون فيها الورثة بنت وبنت ابن وأخت؛ فأبو موسى الأشعري قضى بالنصف للبنت وبالنصف لبنت الابن ولا شيء للأخت، أمّا عبد الله بن مسعود فقد أعطى البنت النصف وبنت الابن السدس والباقي للأخت، والاختلاف بين عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس في مسألة العول (أن يجتمع من السهام عدد أكثر من أصل الفريضة أي ألّا تفي التركة بجميع السهام المفروضة)، وقد أُثر عنه قوله لمّا سكت عن حكم عمر بالعول أجاب "كان رجلاً مهاباً فهبته".

 وفي المحصّلة، إنّ الخطاب القرآني في المواريث اشتمل على توجيه عام يكمن في الوصيّة، وعلى الإجابة عن حالات محدّدة هي التي طرحت على النبي زمن الدعوة في الآيات التي عُرفت بالفرائض، فلم يستوعب في هذا المضمار جميع الحالات التي يمكن أن تقع، فضلاً عن مساحة المسكوت عنه في مستوى بناء الدلالة، ما يقتضي بذل الجهد في التأويل والاجتهاد في استنباط أحكام واضحة وقادرة على أن تستجيب لما يستجدّ في المجتمع من حالات ووضعيات. وهو ما أدركه الفقهاء، وقد آل بهم الاجتهاد إلى وضع أسس وقواعد لعلم مخصوص هو علم الفرائض.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (3) الفرائض في القرآن بين المصرَّح به والمسكوت عنه

د. فريد بن بلقاسم

05-04-2025

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (4) علم الفرائض بين الديني والثقافي

د. فريد بن بلقاسم

20-04-2025

آراء الكتاب

بأي معنى يمكن أن نفهم أن القرآن صالح لكل زمان ومكان؟

د. فريد بن بلقاسم

06-01-2025

آراء الكتاب

زواج المسلمة بغير المسلم بين القرآن والمقالة التفسيرية والفقهية

د. فريد بن بلقاسم

22-05-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة