عندما بُعث النبي الكريم محمد عليه الصلاة والسلام في الجزيرة العربية كان لثقافة أهل الكتاب (يهوداً ومسيحيين) جذور راسخة فيها، وقد سجل القرآن حوارات كثيرة مع أهل الكتاب في مقالات كثيرة، وعندما توسع المسلمون خارج الجزيرة العربية كانت تلك الأقطار في غالبها تدين بالمسيحية، كمصر والشام وبلاد المغرب وبعض أقطار فارس، وما وراء ذلك من مستعمرات خضعت للإمبراطورية الرومانية حاملة لواء المسيحية.
وهكذا صار الإسلام يتحرك -أراد أو لم يُرد– على أرض مسيحية يهودية؛ ففرضت سطوتها حيث نجحت فعلاً في أن تجعل المسلمين أنفسهم يقدمون أخبار الكتاب المقدس -بعهديه القديم والجديد- على أخبار القرآن، وخاصة فيما يتعلق بمسائل مشتركة مثل: خلق الكون، وبداية الإنسان، وخبر الأبوين، وتاريخ الأنبياء.. إلخ، حتى إذا كان منتصف القرن الثالث الهجري صارت بعض النصوص اليهودية والمسيحية بعد التحوير فيها حديثاً صحيحاً منسوباً للنبي الكريم بعد اختلاق الأسانيد لها. (للتوسع انظر كتاب: البدايات الأولى للإسرائيليات في الإسلام، حسني يوسف الأطير).
ومن الأمثلة على دخول المسيحيات في الثقافة الإسلامية:
1- الصلاة الربانية التي يصلي بها المسيحيون حول العالم: (أبانا الذي في السماوات. ليتقدس اسمك. ليأتِ ملكوتك. لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض. خبزنا كفافنا أعطنا اليوم. واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن للمذنبين إلينا. ولا تدخلنا في تجربة. لكن نجنا من الشرير...) [إنجيل القديس متى: الإصحاح 6، الآية: 9-13].
وقد دخلت هذه الصلاة كتب الحديث بمثل مسند أحمد وأبي داود والحاكم في المستدرك، وغيرهم، وذكرها ابن القيم في زاد المعاد (القسم المسمى الطب النبوي)، وكذا ذكرها آخرون كرقية يعالَج بها المرضى.
أخرج النسائي في السنن الكبرى... عن طلق عن أبيه أنه رحل إلى الشام يطلب من يداويه فلقي رجلاً فقال ألا أعلمك كلمات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض اغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ.
2- أقوال بولس الرسول؛ بمثل: (بل كما هو مكتوب ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه). رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس، [الإصحاح 2، الآية 9].
قول بولس هذا صار حديثاً قدسياً منسوباً لله كما في رواية البخاري: [عن أبي هريرة قال، قال النبي محمد عليه الصلاة والسلام قال الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فاقرؤوا إن شئتم (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين)].
ومثال آخر: (فإن الجسد أيضاً ليس عضواً واحداً بل أعضاء كثيرة. إن قالت الرجل لأني لست يداً لست من الجسد أفلم تكن لذلك من الجسد. وإن قالت الأذن لأني لست عيناً لست من الجسد أفلم تكن لذلك من الجسد... فالآن أعضاء كثيرة ولكن جسد واحد... فإن كان عضو واحد يتألم فجميع الأعضاء تتألم معه. وإن كان عضو واحد يكرم فجميع الأعضاء تفرح معه. وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفراداً). رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس، [الإصحاح 12، الآية 15-26].
جاء في صحيح مسلم: (عن النعمان بن بشير قال، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: مَثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
بل إن اسم بولس تحول إلى اسم سجن في جهنم، حسب الرواية المنسوبة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال) رواه الترمذي وحسنه الألباني.
3- ومن أخطر الأفكار جعل جميع أقوال النبي الكريم محمد وحياً إلهياً كما أن أقوال المسيح حسب الأناجيل هي قول الرب، وهنا اختلط على المسلمين ما هو بشري بما هو إلهي، فصار قول النبي الزمكاني بمثابة نص إلهي، فاختلطت الأعراف بالشرع الإلهي، مما أعاق الفكر الإسلامي لقرون، وخاصة بعد إغلاق باب الاجتهاد وترسيخ التقليد.
هذه بعض الأمثلة لتوضيح مدى تأثير الثقافة المسيحية في الثقافة الإسلامية، والأمثلة كثيرة جداً، وبالعودة إلى كتاب الله تعالى مصدراً للمفاهيم والتشريع والأحكام يستطيع المسلم أن يميز الحق من الباطل في كثير من المسائل، قال تعالى: (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) [النحل: 64].