مَن يتأمل الكتابات والفيديوهات الرائجة على وسائل التواصل الاجتماعي يجد أن أغلب ما يُنشر حول المذاهب الإسلامية يعكس حالة أيديولوجية عدائية، تُكرس صوراً نمطية مغلوطة أكثر من كونها كتابات موضوعية تؤسس للمعرفة وتعزز العيش المشترك والوئام المجتمعي.
احتلت نظرية المؤامرة والرجوع المغرض إلى سردية عبد الله بن سبأ "اليهودي" مساحةً واسعة من العقل الطائفي وكتاباته التي تعالج مسألة نشأة الاختلاف في المجتمع الإسلامي المبكر، ويُشكل استمرار استحضار هذه الرواية "الملفقة" مؤشراً خطيراً على عجز ذلك العقل عن تقصي الأسباب الموضوعية للاختلاف بين المسلمين الأوائل.
لا يدرك العقل الطائفي أن الاختلاف بين الناس في مجالات الفكر والثقافة والمعتقد يُمثل ظاهرة قديمة في تاريخ الأديان وهي سُنّة من سنن الله في خلقه، كما يقول القرآن: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ" (هود: 118). فأسباب وجود المذاهب والفرق الدينية كالشيعة والسنة والخوارج في الإسلام لا تختلف عن أسباب ظهور الفريسيين والصدوقيين في اليهودية أو الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت في المسيحية؛ فالنزاع على السلطة والبحث عن المصلحة وتباين العقول والأفهام في القضايا الدينية تمثل قاسماً مشتركاً في تفسير ظهور المذاهب الدينية في مجتمعاتنا البشرية.
يدرك كثير من المثقفين العرب والمسلمين خطورة النظرة التفسيخية التي أصبحت تمثل ظاهرة معقدة يسهل توظيفها واستغلالها كأداة حادة لتقسيم الأمم وإضعاف المجتمعات، وهذا يعني أن الخسارة الكبرى للانقسام تقع على المجتمع كله وليس على أتباع مذهب بعينه.
إن إنصاف المخالفين هو خُلق نبيل يعزّ وجوده في ظل ثقافة إقصائية تستأثر بالحقيقة وتختلط فيها الاختلافات المذهبية بالمصالح السياسية، وإذا كان المتعصبون من أتباع المذاهب الفقهية قد أدى بهم غلوهم إلى افتراء أحاديث مكذوبة على رسول الله؛ كما في قول بعض متعصبي المذهب الحنفي: "سيكون في أمتي رجل يقال له: أبو حنيفة هو سراج أمتي. وسيكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن إدريس، فتنته على أمتي أضر من إبليس". فما بالنا بافتراءات الغلاة من المنتسبين إلى المذاهب العقدية والسياسية!
نحن أحوج ما نكون في دراساتنا للفرق والمذاهب الإسلامية إلى استحضار القيم المعرفية والأخلاقية التي تؤسس للإنصاف والحيدة وقبول الاختلاف، والتي أكد عليها القرآن بقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" (المائدة: 8) فالمؤمنون هم "شهداء بالقسط" لا تحركهم نزعات الكراهية والبغضاء لظلم المخالفين لهم والافتراء عليهم مهما كان دينهم أو مذهبهم.
ومن متطلبات بناء نظرة موضوعية لدراسة المذاهب الإسلامية الرجوع إلى المصادر الأصلية وعدم الاعتماد على كتابات المخالفين الذين يغلب عليهم انتقاء الهفوات والبحث عن الآراء الشاذة وتعميمها على سائر أتباع المذهب، وأشير هنا إلى إنصاف حجة الإسلام الغزالي الذي يقول «رد المذهب قبل فهمه والاطلاع على كنهه ردٌّ في عماية»، وعمل بهذه المقولة في كتابه "مقاصد الفلاسفة"؛ عندما رجع إلى مقولات الفلاسفة قبل أن يرد عليهم في كتابه "تهافت الفلاسفة". والطريف بالأمر أنه عندما تُرجم كتاب "مقاصد الفلاسفة" إلى اللغة اللاتينية اعتقد قراؤه الأوروبيون أنه لفيلسوف مشائي.
يتطلب تطوير دراسات المذاهب الإسلامية تحرير العقل الاجتهادي في مسائل العقيدة، وعدم قصر الاجتهاد على القضايا الفقهية "الفقه الأصغر"، وهنا أشير إلى أن علماء المذاهب الفقهية قد اشتمل اجتهادهم على بعض القضايا العقدية إلى جانب اجتهادهم في القضايا الفقهية، فقد اختلفوا في زيادة الإيمان ونقصانه، كما اختلفوا في جواز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من المسائل.
من الأفكار التي يمكن أن تُسهم في الحد من مشكلة التكفير بين أتباع المذاهب فكرة التمييز بين الأصل الديني والأصل المذهبي؛ فالأصل الديني يشمل أتباع الملة عموماً، كما هو الحال مع أركان الإيمان والإسلام، في حين يخص الأصل المذهبي أتباع المذهب المخصوص الذي ينتسب إليه بعض المسلمين، وهكذا يكون المخالف للأصل المذهبي خارجاً عن المذهب ولا يكون خارجاً عن الملة، كما هو الحال مع المخالف لعقيدة الإمامة عند الشيعة الإمامية مثلاً؛ فالمخالف له لا يكون خارجاً عن الإسلام وإنما عن المذهب فحسب.
ومن مشكلات العقل الطائفي البحث عن أكثر الفئات المخالفة غلواً ثم نسبة جميع أتباع المذهب إليها، كما هو الحال مع نسبة كثير من العوام أقوال فرقة "الغرابية" إلى عموم الشيعة، والغرابية هم الذين يقولون: "إن مُحَمَّداً -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- كَانَ أشبه بعلي من الْغُرَاب بالغراب، وَإن الله -عزَّ وَجلَّ- بعث جِبْرِيل -عَلَيْهِ السَّلَام- بِالْوَحْي إلى عَليّ، فغلط جِبْرِيل بِمُحَمد". ورغم أن الغرابية هي فرقة منقرضة ويتبرأ منها الشيعة الإمامية والزيدية والإسماعيلية، لكن ذلك لم يمنع العقل الطائفي من رمي عموم الشيعة بأقوال هذه الفرقة!
فالاعتقاد بأن جميع أتباع المذهب هم على قول واحد في جميع القضايا يمثل خللاً منهجياً، والواقع أن كثيراً من عوام المسلمين يعتقدون أن تسمية الشيعة أو السنة يقصد بها مجموعة واحدة تتفق في جميع معتقداتها! ولا يدرك هؤلاء أن عدد فرق الشيعة في كتب الفرق يتجاوز ثلاثمائة فرقة، وكذلك الحال في تسمية أهل السنة التي تنتسب إليها مذاهب مختلفة كالأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث وغيرهم.
لا بد من التمييز بين حق النقد والمراجعة، وهو حق علمي يقوم على مناهج البحث العلمي، وبين رمي أتباع المذاهب المخالفة بالكفر والزندقة بناءً على بعض الفتاوى الدينية القديمة التي يلتقطها بعض الغلاة من كتب التراث، ولا يتقبلون أي مراجعة أو نقد لها.
ومن الإشكالات المفهومية التي تُستغل لزيادة حدّة الاختلاف بين المذاهب الإسلامية، مشكلة قصر النجاة على فرقة واحدة من المسلمين، والحقيقة أنه لا توجد فرقة واحدة بعينها هي الفرقة الناجية المعصومة. وإنما هي قواعد كلية عامة كل من تَمثلها كان جديراً بأن يكون من أهل النجاة مهما كان مذهبه، تماماً كما هو حال عموم أتباع الأديان في نيل النجاة، كما في قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" (البقرة: 62) وهذا يؤكد أن كل ادعاء لنيل النجاة على أساس أسماء الطوائف والأديان أو بمحض الميلاد والوراثة، فهو يناقض هذه التأسيسات القرآنية العامة، وينتهي بنا إلى مزيد من الطائفية والتمييز في مجتمعاتنا البشرية.