لمفهوم القوامة دور محوري في تصور نظام العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمعات العربية؛ فالعلاقة غير المتوازنة بينهما في الأسرة أو في المجتمع كثيراً ما تُعزى إلى هذا المفهوم، وقد أحيط بهالة من القداسة على اعتبار أنه تعبير عن الإرادة الإلهية التي نطقت بها الآية الرابعة والثلاثون من سورة النساء، في المقطع الذي نصه: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ..". وكثيراً ما يقف المسلم عند عبارة "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ" لا يزيد عليها، ويرى أنه إذ يتمسك بتفوقه على المرأة فإنه متعبد بما أمره الله، وملتزم بما جاء في كلامه المنزل. فهل الأمر يعود فعلاً إلى ما نطق به القرآن أم إنه لا يعدو أن يكون موقفاً توارثته أجيال المسلمين بعد أن رسخته المنظومة التفسيرية الفقهية؟
يُقر منطوق القرآن فعلاً بقوامة الرجال على النساء، ولكنه ينزلها في تربة اجتماعية وإناسية محكومة بتوزيع لأعباء المعاش بين الرجل والمرأة، وبرئاسة الرجل العائلة؛ وهي رئاسة متأتية مما يكتسبه في الواقع المعيش وظروف العمل فيه، من خصائص تؤهله لتولي شؤون العائلة المادية. فقد كان العرب، زمن البعثة، يشتغلون بالتجارة والزراعة والرعي، ولم يكونوا في حاجة إلى مشاركة المرأة. فلا غرابة أن تنعكس هذه الظروف على مكانتها ودورها في العشيرة والقبيلة والعائلة، وعلى علاقتها بالرجل. فهي إذن رئاسة أو قوامة بالاكتساب، راجعة إلى البيئة والثقافة والذهنية والأطر الاقتصادية والاجتماعية، تزول بزوال أسبابها، لا بخاصية جوهرية مميزة. فالقوامة في القرآن -كما عبَّر عن ذلك نصر حامد أبو زيد- ليست تشريعاً بقدر ما هي وصف لحال، وليس تفضيل الرجال على النساء قدراً إلهياً مطلقاً بقدر ما هو تقرير لواقع المطلوب تغييره تحقيقاً للمساواة الأصلية، تلك المساواة التي تتجلى قرآنياً في التشديد على وحدة الأصل الإنساني، وقد افتتحت سورة النساء بهذا المعنى في قوله تعالى: "يَا أَيهَا الناسُ اتقُوا رَبكُمُ الذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَث مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً..". فهذه الوحدة برهان على أن لا فضل لذكر على أنثى أو لرجل على امرأة جوهرياً. وتتجلى المساواة بين الرجل والمرأة في نطاق الوظيفة التربوية التي يضطلعان بها باعتبارهما والدين إزاء الأبناء، وهي وظيفة تفرض على الأبناء الشكر والإحسان لهما معاً، والخطاب القرآني واضح في منزعه نحو تأكيد معنى المسؤولية المشتركة داخل الأسرة بين الرجل والمرأة؛ إذ يقول تعالى: "وَقَضَى رَبكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِياهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِما يَبْلُغَن عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُف وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحْمَةِ وَقُلْ رَب ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبيَانِي صَغِيراً". الإسراء/23-24. ويقول أيضاً: "وَوَصيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ" لقمان/14. فالقرآن إذن في بُعده المتعالي المرتبط بالإرادة الإلهية يحمل بالقوة بذرة المساواة والعدل بين الرجل والمرأة.
تغدو القوامة في المنظومة الفقهية والتفسيرية دليلاً على تفضيل إلهي مطلق لجنس الرجال على جنس النساء، فهي حكم إلهي لا تجوز مناقشته. يقول القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: "فللرجال فضيلة في زيادة العقل والتدبير (..) وزيادة قوة في النفس والطبع ما ليس للنساء؛ لأن طبع الرجال غلبت عليه الحرارة واليبوسة فيكون فيه قوة وشدة، وطبع النساء غلب عليه الرطوبة والبرودة فيكون فيه معنى اللين والضعف، فجعل لهم حق القيام عليهن بذلك". وأما الرازي في "مفاتيح الغيب" فيعتبر المرأة "ضعيفة الخلق سخيفة فشابهت الصبي"، فلم تكلف بتكاليف كثيرة كما كلف الرجل بها، بل كان المناسب "ألا تؤهل المرأة للتكليف، لكن النعمة علينا (يعني الرجال) ما كانت لتتم إلا بتكليفهن لتخاف كل واحدة منهن العذاب فتنقاد للزوج وتمتنع عن المحرم، ولولا ذلك لظهر الفساد".
وقد ترتبت على هذا التفسير رؤية تمنح الرجل سلطة على المرأة تتيح له تأديبها والتحكم فيها وتفرض عليها طاعته. ورسم الفقهاء في ضوء هذا التفسير تراتبية هرمية لمؤسسة الأسرة، وإن غاب المفهوم عندهم لاعتبارات عديدة، فجعلوا في المقدمة الزوج رئيساً للأسرة، والزوجة في أسفل هذا الترتيب في حاجة إلى مَن يرعاها ويحرسها. وهكذا تعامل المفسرون والفقهاء مع ما كان في الخطاب القرآني وصفاً لواقع باعتباره تشريعاً إلهياً، وتمسكوا بقراءة حرفية للنص تُغيِّب مقاصده، ولكنها ملائمة للأعراف الحاكمة للهيئة الاجتماعية في عصرهم.
وظلت القوامة بالمعنى الذي حددته مقالة الفقهاء قديماً تجد مَن ينافح عنها ويروج لها ويكرسها، ويعتبر من ينكرها إنما هو يشوه صورة الإسلام. فمحمد بن سعد المقرن، في دراسة له بعنوان "القوامة الزوجية: أسبابها، ضوابطها، مقتضاها" يقول: "القوامة الزوجية في الشريعة الإسلامية ليست تسلطاً ولا قهراً وليست سلباً لحقوق المرأة أو حطاً من كرامتها، بل هي تقدير وتشريف لها ورفعة لشأنها، وإقرار بكرامتها، فإن الذي خلق الرجل هو الذي خلق المرأة، وهو الذي شرع القوامة، أوليس الذي خلق المرأة عالماً بما يصلح لها وبما يناسبها".
وهكذا يغفل المتمسكون بمقالة القوامة كما كرسها الموروث التفسيري والفقهي مجمل التطورات التي شهدها وضع المرأة العربية منذ عقود؛ من حيث التعليم، ومن حيث التواجد في أماكن العمل والإنتاج، ومن حيث دورها في الحياة الاقتصادية في الحضر والريف، ليتشبثوا بمفهوم تقليدي ناطق بأعراف لا صلة له بالواقع المعيش، فضلاً عن مفارقته لمقاصد الرسالة الإلهية.