ليس هناك قضية شغلت النخب الفكرية من مختلف التيارات في العالم العربي مثل قضية الحداثة وعلاقة العرب بها منذ ما يزيد على القرنين من الزمان، أي منذ ما يُعرف بحملة نابليون على مصر في العام 1798، فقد استفاق العالم العربي تحت وقع هذه الحملة بأبعادها المتعددة العسكرية والسياسية والعلمية والثقافية على حالة التفاوت التاريخي والفجوة الحضارية بينه وبين العالم الأوربي، وهو ما عبرت عنه بعض الأدبيات بالصدمة الحضارية. وما فتئت هذه الحالة تتفاقم والمسافة تتسع بين التقدم الأوربي الغربي والتأخر العربي الإسلامي، وشكلت المرحلة الاستعمارية التي أصبحت فيها دول المنطقة تحت سيطرة القوى الأوربية علامة فارقة وشديدة الدلالة على ذلك.
لقد مثلت حملة بونابرت وما تلاها من استعمار وما ارتبط به من نزعة إلى الهيمنة والسيطرة على الأرض والمقدرات البشرية والطبيعية السياق الذي تلقى فيه العرب الحداثة، وقد كان لذلك أعظم تأثير في الكيفية التي تمت بها عمليات التلقي والتفاعل وما رافقها من إشكاليات ومواقف في أوساط النخب العربية، وما زالت تلقي بظلالها إلى اليوم في الاجتماع الفكري والأيديولوجي والسياسي، لا فقط نخبوياً بل في قطاعات واسعة من المجتمعات على الصعيدين العربي والإسلامي. فقد كان واضحاً أن التلقي العربي للحداثة كان محكوماً باعتبارها شيئاً وافداً لم يسهم العرب في إنتاجه، وإنما فُرض عليهم من الخارج فرضاً سواء باستعمال القوة القهرية كالاستعمار والغزو العسكري أو باستعمال القوة الناعمة من خلال أساليب الهيمنة الثقافية والرمزية.
ويمكن أن نختزل المواقف التي عكست التفاعل بين التيارات الفكرية العربية والحداثة في ثلاثة رئيسية، وهي: أولاً، الإعجاب إلى حد الانبهار لا سيما بما حققته الحضارة الغربية من تقدم اقتصادي وعلمي وتكنولوجي، وثانياً، الاستياء إلى حد الحنق والغضب من اختلال ميزان القوة بين العرب والغرب وما سلطته القوى الغربية مدفوعة بتفوقها العسكري والسياسي من قهر واستغلال، سواء من خلال الاستعمار المباشر أو بعد المرحلة الاستعمارية، ما أدى إلى حالة من النفور والاستعداء، وثالثاً، السعي إلى الاستفادة من هذه الحداثة بأقدار وكيفيات مختلفة، سواء بالوقوف عند الأخذ بمنجزاتها المادية فقط والاستفادة منها، أو بالاستلهام الفكري والمعرفي والقيمي من مبادئها ونظمها وآليات إنتاج الفكر والمعرفة فيما أُطلق عليه من طرف المحافظين بتيار التغريب، أو بمحاولة التوفيق بين الموروث العربي والإسلامي والمنجز الحضاري الحديث على نحو ما دارت عليه الثنائية التي شغلت تيار الإصلاحية العربية منذ القرن التاسع عشر.
إن هذه المواقف والردود حولها تعكس في عمقها ما نجم عن اتصال العرب بالحداثة من علاقة موسومة بالتوتر إلى حد الأزمة، فلا هم قادرون على أن يديروا لها ظهرهم بحكم أنها اقتحمت عالمهم بمختلف الطرق والوسائل، وما عاد بالإمكان في ظل تطورات الثورة الاتصالية والرقمية أن ينفكوا عنها بأي حال، ولا هم أقاموا مشروعاً حضارياً نهضوياً يعكس إبداعهم لحداثتهم الخاصة. بل إن الإشكالات التي أثارتها النخب العربية منذ عقود لا تزال تهيمن على الساحة الفكرية، سواء المتعلقة بالموقف من التراث وكيفية التعامل معه، أو بقضية الأصالة والخصوصية والانفتاح، أو بمسألة الهوية والانتماء، أو بثلاثية المحافظة والتغريب والتوفيق، أو بمسألة التمييز والفصل بين الفكر الديني والدين وبخاصة من جهة موقعه ودوره في الحياة العامة وفي المجتمع والدولة. فهل يتعلق الأمر بخلل بنيوي يخص البنى المتحكمة في إنتاج المعرفة ورؤية العالم في الثقافة العربية؟ أم بالسياق الذي اكتنف ما سمي باكتشاف العرب للحداثة وتلقيهم لنظمها الفكرية والقيمية ومنجزاتها المادية، وهو سياق طغت عليه في أغلب المراحل مظاهر التفوق الغربي ما جعل الحداثة في التمثل الجمعي العربي مرتبطة بالهيمنة، فوُلدت العلاقة منذ أطوارها الأولى على حال من التشوه الذي يأبى أن يزول بفعل استفحال وضع التفاوت؟
يبدو من المفيد لتلمس إجابة عن هذا السؤال الإشارة إلى خطأ منهجي في تَمثل العرب للحداثة باعتبارها منجزاً غربياً صرفاً، وهو تَمثل كرسه بعض وجوه الاستشراق في الجهة المقابلة، في حين أن الحداثة وإن نشأت في الغرب فإنها في جوهرها كونية، وأن التحديث لا يعني إطلاقاً التغريب، والمثال الياباني خير دليل على ذلك كما يؤكد جيرار ليكلرك في كتابه "العولمة الثقافية: الحضارات على المحك". إضافة إلى أنه من الخطأ أيضاً اعتبار أن الغرب قد حقق حداثته بمعزل عن مشاركة الثقافات الأخرى بما في ذلك الثقافة العربية الإسلامية، فهذه الحداثة ليست طفرة بل هي مزيج بين الاستمرارية والتراكم الحضاري الإنساني من ناحية والقطيعة الإبستيمولوجية من ناحية أخرى. وبهذا المعنى فإن الأمر يستدعي تعديل البوصلة من جهة المنظور الذي من خلاله يتدبر الفكر العربي علاقته بالحداثة والتحديث وما تطرحانه من تحديات في المستويات المعرفية والقيمية والواقعية. فمن المهم أن يبدع العرب مشروعهم الحداثي الخاص بهم إبداعاً ذاتياً، ولكن ذلك لا يكون بالانغلاق على الذات وإنما بالانفتاح على ثقافات الآخرين ومنجزاتهم الحضارية بروح الاستفادة والتلاقح. ومن شروط هذه العملية الإبداعية أن تتخلص من منطق الثنائيات القطبية التي لا تفضي إلا إلى التوتر والصراع العقيم على غرار ثنائية الأصالة والمعاصرة وثنائية التراث والحداثة، وأن تخرج من منطق التناقضات الجوهرانية بين الأنا والآخر والتشبث على نحو مرضي بالخصوصية أو الانجذاب إلى حد الذوبان في ثقافة الآخر. ويبقى المعيار المحدد لهذا المشروع الحداثي العربي هو الواقع في كليته وشموليته وتعقيداته وإكراهاته، وما تقتضيه التحديات التي تكتنفه من اجتراح رؤى ونظم تؤهل العرب إلى استعادة الدور الحضاري واستئناف الإسهام فيما ينفع الإنسانية، ومؤدى ذلك أن يتملك الفكر العربي المعاصر القدرة على التفكير باستقلالية وبعقلية نقدية خلاقة في واقعه، بعيداً عن الوقوع في دائرة الاستلاب سواء إزاء أسلافه القدامى أو إزاء الآخرين، ولا يبحث عن حلول جاهزة مهما يكن مأتاها.