العلم والدين ومعضلة الإعجاز العلمي 

16-01-2025

تقف المكتشفات الأثرية الضخمة للحضارات البشرية القديمة شاهدةً على عظمة المنجزات العلمية والمعرفية التي استطاع الإنسان تحصيلها وتطويرها، كما هو الحال في العلوم الفلكية والطبية والمعمارية عند المصريين والبابليين والصينيين والهنود والإغريق القدماء، فقد كانت تلك المعارف حاضرة قبل نزول التوراة والإنجيل والقرآن. ولكن الاعتقاد بوجود آلهة وراء تلك العلوم والمعارف هي التي ألهمت الإنسان كان بمثابة سمة دينية عند عموم الأمم والشعوب، ولم يتغير هذا النمط من التفكير دفعة واحد مع مرور السنين! بل إن شخصية فكرية كبيرة مثل الإمام الغزالي لم يستطع أن يتخيل أن علم الفلك وعلم الطب هما من منجزات العقل البشري! كما قال في كتابه المنقذ من الضلال: "وجود معارف في العالم لا يتصور أن تنال بالعقل كعلمي الطب والنجوم؛ فإن من بحث عنها علم بالضرورة أنها لا تدرك إلا بإلهام إلهي وتوفيق من جهة اللّه تعالى، ولا سبيل إليها بالتجربة". فالشعور بعظمة الإنجازات المعرفية قد يجعل العقل عاجزاً عن تقدير الطاقات الضخمة التي أودعها الخالق فيه، وهو ما يدفعه إلى الاعتقاد بوجود تدخلات غيبية تزيد من حدتها هواجس الانبهار وغياب القدرة على تفسير بعض الظواهر الطبيعية الغامضة أو العسيرة على العقل البشري. 

نعلم جميعاً مدى صعوبة البحث عن الأسئلة الصحيحة التي تُسهم في إيجاد الحلول، وخاصة عندما يتصل الأمر بقضايا الدين ويمتزج بمشاعر العجز والتأخر تارة، ومشاعر الخوف والرهبة من السلطة الدينية تارة أخرى.

ومن الأسئلة التي يمكن تناولها هنا: لماذا جاءت المعجزات التي تخرق قوانين الطبيعة في زمن طغت فيه الخرافات على العقل البشري؟ ولماذا اختفت المعجزات في زمن العلم، حيث أصبحت إمكانية التثبت والاختبار أكثر من أي وقت مضى؟

هل أسهم التفكير الإعجازي الذي ينظر إلى الدين نظرة عجائبية تخرق قوانين الطبيعة في تراجع الأمم والشعوب؟ وهل تُعد مراجعة هذا التفكير من المنطلقات التي تقوم عليها النهضة العلمية في المجتمعات؟ 

هل يخاطب القرآن العقل البشري بمختلف مستوياته التي رافقت تطور الفكر البشري؟ هل خاطب القرآن الفكر الأسطوري بلغته التي يعقلها كما خاطب الفكر الفلسفي والعلمي؟

 يرافق التدين الإنسان في مختلف أنماطه الفكرية ومراحله الزمنية. وهذا يعني أن الفكر الديني للإنسان لا ينفصل عن تطور التفكير الأسطوري والفلسفي العلمي. فالأسطورة تشغل مساحة واسعة من التفكير البشري وخاصة فيما يتعلق بالبحث عن العوالم الغيبية وتفسير الظواهر والأحداث التي تنوء بها العقول وتتشوق إلى معرفتها النفوس. وهنا يجب التنبه إلى المؤثرات الظرفية التي تم تحميلها للفكر الديني في هذه المرحلة وأصبحت بمثابة جزء من بنيته الأساسية. 

لا يمكن النظر إلى هذه الأنماط الفكرية باعتبارها مراحل تاريخية محددة وشاملة لكل المجتمعات البشرية، وإنما هي أنماط غلبت على تفكير المجتمعات، مع وجود فوارق معتبرة بقيت حاضرة من مجتمع إلى آخر. فهي قبل أن تكون مراحل تاريخية فإنها تمثل أنماطاً للتفكير البشري في مختلف العصور، وهي حاضرة في عصرنا الحاضر الذي يمثل أكثر عصور العقل العلمي ازدهاراً.

الحديث عن خرق القوانين الطبيعية يتعدى الحديث عن الفكر الإسلامي، فهو سمة عامة نجدها في جميع الثقافات الدينية، ونجدها بوفرة كبيرة في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد. وقد انتقد المسيح هذه العقلية التي تشترط المعجزة قبل الإيمان "فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً" (39:12). وكذلك يشير القرآن إلى أن البحث عن الآيات والخوارق لم يكن مطلباً للمؤمنين، وإنما جاء كمطالبة من المعاندين غير المؤمنين، ولم يلبِّ القرآن ما طلبوه، وإنما ذكره في موضع الانتقاد: "وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً" (الرعد: 31).

لم يستخدم القرآن تسمية المعجزة التي تومئ إلى العجز وعدم القدرة، وإنما ذكر تسمية "آية" والتي تعني العلامة والإشارة الباعثة على التفكر والتدبر، وفي هذه المفارقة بين اللفظتين تكمن نظرة نقدية عميقة للنظرة الإعجازية السائدة التي تضخمت في تراثنا الديني. 

تكمن المشكلة الأساسية في فهم طبيعة القرآن الكريم، وهل هو كتاب هداية ورسالة روحية وأخلاقية أم كتاب علوم وموسوعة للمعارف؟ لا يهدف القرآن إلى الإجابة عن الأسئلة العلمية، فهو يهتم بالإرشاد إلى غاية الموجودات لا بكيفية تكوينها وطريقة عملها. ومثال ذلك إجابة القرآن عن سؤال "الأهلة" بقوله: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ" (البقرة: 189). فلم يتحدث القرآن عنها من حيث كونها انعكاساً لجرم سماوي يتغير شكل نوره ويتأثر بوقوع ضوء الشمس عليه، وإنما كوظيفة ذات صلة بمواقيت يستفيد منا الناس في شؤون دينهم ودنياهم.

يجب أن ندرك حقيقة القوانين الطبيعية التي لا تتغير من أجل أحد. وهنا أشير لقول الرسول عندما كسفت الشمس: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ". فليس من شأن القرآن أن يكون نقيضاً للقانون الطبيعي أو بديلاً عن العقل البشري وإنما محفزاً للعقل على التدبر والتفكر في تلك القوانين. فالقرآن جاء بما تحار به العقول وليس بما تستحيله، وهو يشتمل على إشارات علمية تنسجم مع العلم وسياقاته التراكمية. وهذا ما لا يدركه دعاة الإعجاز العلمي الذين يضعون القرآن تحت محك الاختلافات البشرية عندما يجعلونه كتاب علوم.

القول بأولية معلومة علمية ذكرها القرآن يحتاج بدايةً إلى تحقق عدد من الشروط..

أولاً: أن يكون معنى الآية وسياقها دالاً بكل وضوح على القضية العلمية ذات الصلة دون تكلف في التأويل. 

ثانياً: التمييز بين دلالة الكلمة "في معهود العرب" وبين دلالتها الاصطلاحية في السياق العلمي. وكمثال أشير إلى الخلل الكبير الذي وقع به دعاة الإعجاز العلمي في ادعائهم سبق القرآن في الكشف عن وجود الذرة بمعناها الفيزيائي، والواقع أن إطلاق مجمع اللغة العربية لتسمية "الذرة" في بداية القرن العشرين كان ترجمة تقريبية لمعنى كلمة "Atom"، ولم يكن لفظ الذرة يطلق على هذا المعنى قبل ذلك.

ثالثاً: الاستقراء الشامل لتاريخ العلوم في الحضارات السابقة لنزول القرآن، بداية من تاريخ العرب قبل الإسلام ثم علوم المصريين والصينيين والسومريين.. إلخ. وهنا أعطي مثالاً لمن قال بأولية إشارة القرآن لبصمة الإصبع وسبقها للمعرفة البشرية، فمن يبحث جيداً في تاريخ العلوم يجد أن الصينيين القدماء كانوا يستعملون البصمة قبل نزول القرآن بقرون طويلة، حيث كان الأباطرة يوقعون على الوثائق المهمة ببصمات إبهامهم.

رابعاً: أن تكون القضية العلمية التي يتصل معناها بالقرآن هي حقيقة علمية وليست نظرية تفسيرية لظواهر علمية يمكن أن يتجاوزها الفكر العلمي. 

إذا كانت المعجزة هي الطريقة المثلى إلى الإيمان بالدين، فإن ذلك يؤدي إلى تقويض دور العقل والتشجيع على الخرافة. وهنا أذكر كلام الغزالي: "اطلب اليقين بالنبوة، لا من قلب العصا ثعباناً وشق القمر، فإن ذلك إذا نظرت إليه وحده ولم تنضم إليه القرائن الكثيرة الخارجة عن الحصر، ربما ظننت أنه سحر وتخييل".

يجب علينا أن ندرك أن المعرفة العقلية والعلمية بالموجودات مقدمة على معرفة الصانع، وكما يقول ابن رشد: "كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم"، وهذا يعني أن المعرفة بالصانع وكلامه إنما تكون من العقول الأتم معرفة بالمصنوعات أكثر من تلك التي تأخرت في مجالات العلوم وتعجز عن مجاراة غيرها من الأمم.

لم تُسهم آلاف الكتب والمواد الإعلامية والمواقع الإلكترونية حول الإعجاز العلمي في الكشف عن حقيقة علمية واحدة قبل الإعلان عنها في مراكز الأبحاث العلمية في الدول المتقدمة، وهنا يحق لنا أن نتساءل: لماذا يأتي الحديث عن الإعجاز العلمي دائماً بعد وقوع الاكتشافات من قِبل غير المسلمين؟ فلماذا لا يأخذ دعاة الإعجاز قصب السبق ويحظون ببراءة الاكتشاف؟ ثم أليس من المفارقات العجيبة أن من يتحدثون عن الإعجاز العلمي، وخاصة المختصون منهم بالعلوم، لا نجد لأحد منهم اكتشافاً واحداً يعودون به إلى ما يدّعونه من إعجاز علمي؟!

من الأسس التي يقوم عليها تجديد الفكر الديني هي قضية إعادة النظر في مفهوم المعجزات التي تضخمت في الموروث الديني، وألحق بها كرامات الأنبياء والقديسين والأئمة والأولياء، وخاصة في عصور الضعف وانتشار هواجس الهزيمة والخوف على الذات. 

وفي السياق الغربي كانت المراجعة النقدية لمفهوم المعجزة هي أحد أهم الأسس التي أسهمت في بناء الفكر العلمي في الغرب، وهنا أشير إلى باروخ سبينوزا الذي انتقد مفهوم المعجزة باعتبار أنَّ "التصديق بالمعجزة يجعلنا نشك في كل شيء ويؤدي بنا إلى الإلحاد"، فهو يرى أنَّ الكون مبني على نظام له قوانينه الثابتة، والمعجزة من شأنها تقويض ثبات تلك القوانين.

لا يختلف استغلال مقولات الإعجاز العلمي باسم الدعوة إلى الله عن مقولة بعض الوضّاعين الذين يلفقون الروايات وينسبونها للرسول، التي يقول عنها الحافظ ابن حجر: "وقد اغتر قوم من الجهلة فوضعوا أحاديث الترغيب والترهيب وقالوا: نحن لم نكذب عليه، بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته!"، وكأن ما يصح من دلائل التوحيد والإيمان في كتاب الله لا يفي بالمطلوب!

إن نقد مقولات الإعجاز العلمي هو في أحد أهم جوانبه دفاع عن حقيقة القرآن الذي "لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ". فمشكلتنا تكمن في اختلال منهج القراءة التلفيقية للقرآن، والتي جاءت كمحاولة تعويض عن مشاعر التراجع الحضاري بالاختباء تحت عباءة الدين.

وما تحتاجه مجتمعاتنا اليوم هو بناء منهج علمي يحفز عقولنا على الاكتشاف والابتكار، ولسنا بحاجة إلى مجد زائف أو فضيلة مدّعاة يتكلفها أناس قد عجزت عقولهم عن بلوغ ما بلغته عقول غيرهم. فالإعجاز حاضر في أعظم آية أبدعها الله وهي آية العقل البشري، وكل ما أنتجه هذا العقل فهو في نهاية المطاف من الله تعالى.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

عمل المرأة وشقاء الرجل، عندما يكون التفسير معطلاً للحقوق

د. عامر الحافي

24-08-2025

آراء الكتاب

فلسفة القوة في ضوء القرآن

د. عامر الحافي

14-07-2025

آراء الكتاب

من شجرة المعرفة إلى شجرة الخلود

د. عامر الحافي

29-09-2025

آراء الكتاب

"العداء الديني" ليس دينياً

د. عامر الحافي

14-05-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة