«الصحيفة الصادقة».. إيهام العقول وتمرير الأجندة

06-07-2025

ليس كلّ ما كُتب صادقاً، ولا كلّ ما نُسب حقيقياً، فثمّة صفحات تُرفع فوق التاريخ، لا لأنها نُقلت، بل لأنها صُنعت.

في ثنايا الزمن، تتشكّل الأساطير لا من الغياب، بل من فائض الحضور، من رواياتٍ تشدّك بثقة المتحدّث لا بثبات المرويّ.

وهناك، في منعطفٍ غائمٍ من ذاكرة التدوين، وُلدت صحيفة.. قيل إنها صادقة؛ 

ورد في عدد من المصادر أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال:

"كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد بذلك الحفظ، فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا الحق".

 رواه أحمد (الحديث 6829)، وأبو داود في سننه (الحديث 3646)، وقال الألباني: حديث صحيح.

وقد أطلق عليها اسم "الصحيفة الصادقة"؛ لأنها حوت أحاديث نبوية سمعها مباشرة من النبي ﷺ، ودوَّنها بإذنه كما جاء في الادعاء.

لكن، حين يُستدعى العقل لتفكيك البناء، تنجلي ألف علامة استفهام، وتبدأ الأسئلة الكبرى: مَن كتب؟ ولماذا؟ وعلى أيّ لسانٍ قيل ما لم يقله؟ ومن هنا، تبدأ الحكاية..

ليس من المنهج أن يُؤخذ التاريخ على علاته، ولا أن تُسلَّم الروايات لكونها نُسبت لأسماء بعينها، خاصة حين تتعلّق بقضايا مفصلية في بنية الدين وتاريخه، كقضية تدوين الحديث في عصر النبوة. ولعلّ من أكثر ما أُشيع وروّج في هذا الباب ما يُعرف بـ"الصحيفة الصادقة" المنسوبة لعبد الله بن عمرو بن العاص، والتي يُقال إنه كتب فيها ما سمعه مباشرة من فم النبي ﷺ بإذن منه، لتكون بذلك –بزعمهم– أول توثيق مكتوب للحديث النبوي.

غير أن هذه القصة لا تصمد أمام التدقيق المنهجي. حيث تُروى رواياتها بضابط السند، مما ينسف ادعاء التدوين المباشر، فلو كانت الصحيفة قائمة حقيقية، ومكتوبة من فم النبي إلى الورق، لكان من الطبيعي أن تُروى بلا وسائط إسنادية، وتُنقل كما يُنقل القرآن الكريم، لا كسائر الروايات المحكومة بالإسناد.

ثم إنّ الروايات التي تُنسب إلى ذات الصحابي الكاتب لا تختلف في المضمون والأسلوب والسياق عن بقية الروايات التي نقلها غيره من الصحابة أو التابعين، أو التي نسبت إليه هو نفسه في غير الصحيفة المزعومة "لا نجد فيما نُسب" إلى الصحيفة سمة توثيق أعلى، أو حتى فارقاً جوهرياً في الصيغة أو المعنى. وهذا يطرح سؤالاً منطقياً: أين صدق هذه الصحيفة إذاً؟ وما الذي ميّزها حتى تُمنح هذا اللقب؟

 مما يُلفت أن الرواية المجمع على صحتها من ذات المنظومة عن النبي ﷺ والتي قال فيها: «لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه»، قد جرى تجاهلها أو تحجيمها بتعليلات واهية، بأن علة النهي "خشية اختلاط الحديث بالقرآن" والملاحظ أنه لا وجود له في النص نفسه، ولم يرد عن النبي، بل هو اجتهاد لاحق ممن أرادوا تأويل النهي وتحجيمه، ليُسمح لاحقاً بتدوين الحديث.

هذا التبرير المزعوم ما هو إلا اختراع من أهل الحديث أنفسهم، لتبرير التناقض بين النهي النبوي عن التدوين ورغبتهم في إثبات أن روايات السنة كانت مكتوبة، وموثقة، في عهد النبي. وقد تمّ توظيف رواية "الصحيفة الصادقة" كمَخرج من هذا الإشكال ولتمرير أجندة خطيرة لخلق دين موازٍ يخدم السلطة السياسية.

لكن لو أننا أخذنا الرواية النبوية في ظاهرها: "لا تكتبوا عني غير القرآن"، فإننا نجد فيها موقفاً واضحاً، حاسماً، غير قابل للتأويل، يبيّن أنّ القرآن وحده هو النص الذي سُمِح بتدوينه وتوثيقه آنذاك ليقود توجيه الإنسانية إلى منتهاها، ولو كان أمر ما عداه مهماً يتعلق بجوهر الدين لكان محل اهتمام النبي صاحب الدعوة والبلاغ ليصلنا جنباً إلى جنب مع توثيق التنزيل الحكيم.

 إنّ غياب "الصحيفة" ذاتها من الوجود المادي، وعدم وجود أي نصوص مسندة مباشرة تُشير إلى اختلاف روايات ابن العاص عمّا سواها في بقية المسانيد والمراجع، ينفي أن تكون هناك "صحيفة" حقيقية بالمعنى المروَّج له. ولو وُجدت، لكان فيها من التميز ما يفرضها كمرجعية فريدة.

إننا أمام مثال صارخ على كيفية صناعة سلطة للنصّ غير القرآني، عبر شبكة من المرويات والتأويلات التي تنسب للنبي ما لم يقله، أو تُهوّل من وقائع عادية وتحوّلها إلى "محطات تأسيسية"، ليُبنى عليها لاحقاً تصورٌ متكامل عن التدوين والرواية والحديث، كل ذلك في مقابل وضوح النص القرآني وهيمنته، ومنطوق النهي النبوي ذاته عن الكتابة سوى للقرآن.

فإذا أردنا أن نعيد الأمور إلى نصابها، فلا بد أن نُخضع هذا النوع من المرويات لمعيار صارم من التحقيق العقلي، المتجرد من الهوى والولاء المذهبي، لنفصل بين الحقيقة التاريخية والأسطورة المتداولة، ونحرر وعي المسلم من الوهم الذي يختبئ وراء تلك الصحيفة.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

«الصحيفة الصادقة».. إيهام العقول وتمرير الأجندة

ياسر العديرقاوي

06-07-2025

آراء الكتاب

لماذا أُمر النبي باتباع ملة إبراهيم؟

ياسر العديرقاوي

17-08-2025

آراء الكتاب

ميراث العباد من النبوة

ياسر العديرقاوي

04-05-2025

آراء الكتاب

مفهوم النشوز في لسان التنزيل بعيداً عن المعاجم

ياسر العديرقاوي

12-05-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة