من يقرأ هذا العنوان سيصاب بالدهشة في أول وهلة؛ حيث إن المنطق يقول: إذا كان القرآن هو أول أصل من أصول التشريع حسب ما ذهب إليه الفقهاء، وهو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكيف جوز هؤلاء الشيوخ القول بأن السنة قاضية على كتاب الله؟ !
في هذا المعنى روى الدارمي في سننه عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: "السنة قاضية على القرآن، وليس القرآن بقاضٍ على السنة". قال الزركشي في كتابه البحر المحيط: (مسألة [حاجة الكتاب إلى السنة] قال الأوزاعي: الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب. قال أبو عمر: يريد أنها تقضي عليه، وتبين المراد منه، وقال يحيى بن أبي كثير: السنة قاضية على الكتاب).
من خلال هذه النقول نجد أن الفقهاء اعتبروا المرويات المأثورة عن النبي -وهي في غالبيتها العامة ظنية الثبوت- قاضية وحاكمة على القرآن القطعي الثبوت، وهذا كلام فيه خبء معناه ليست لنا عقول؛ فمن يتجرأ على هذا القول بهذا الشكل، وبدون أن يرف له جفن، وجب الشك في عقله إن لم نشك في إيمانه، لذلك فقد ورد في كتاب جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، أن أحمد بن حنبل لما سُئل عن القول بأن السنة قاضية على الكتاب، قال: "ما أجسر على هذا أن أقوله، بل أقول إن السنة تُفسر القرآن وتُبينه".
غير أنه لا يزال في عصرنا هذا من يرفع الحديث إلى مرتبة أعلى من القرآن، وإن كان يردد بأن "القرآن هو الأصل الأول للتشريع"، إلا أنه عند أول تعارض بين كتاب الله وهذه الأحاديث يُكذِّب مقولته التي يدعي الإيمان بها بجعله السنة قاضية على القرآن، وهذا ما يُفسر اتباع العديد منهم ما ورد في الأحاديث ضاربين بعرض الحائط كل الآيات والأحكام الواضحة الواردة في القرآن، ويمكن أن نضرب العديد من الأمثلة للتوضيح:
فعن ابن عمر أن الرسول قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى. (رواه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم").
هذا الحديث يخالف جملةً وتفصيلاً قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة البقرة: 256.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا﴾ سورة الكهف: 29.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ سورة يونس: 99.
لكنهم لا يأبهون بهذه الآيات الواردة في كتاب الله، ويرددون بكل جرأة: (إن السنة قاضية على الكتاب)، ويبقى حكم الحديث هو النافذ، ويتجلى في فتوى قتال الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله... الحديث. أما أنا فأقول وقلبي مطمئن بأن هذا الكلام ليس من كلام رسول الله الذي كان خلقه القرآن، والذي قال عنه الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ سورة الأنبياء: 107.
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن. ثم نسخن: بخمس معلومات. فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن". (صحيح مسلم: كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات).
هذا الحديث المنسوب لعائشة يتهم القرآن بالتحريف والتزوير، رغم أن الله تعالى يقول في محكم كتابه: ﴿إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ سورة الحجر: 10، فهي تقول حسب نص هذا الحديث إن رسول الله مات وآية التحريم بخمس رضعات مما يتلى من القرآن، وأي قارئ للقرآن يمكنه التأكد أنه لا توجد آية قرآنية واحدة في كتاب الله بهذا المعنى وبهذه الدلالة، لكن المرويات الغريبة والقادحة في صِدقية القرآن لا مجال لمناقشتها من طرف هؤلاء مع كامل الأسف، ويمكننا أن نأتي بعشرات بل مئات من الأحاديث التي تُعارض القرآن جملةً وتفصيلاً، وتُصادم العلم والعقل، وتنقض أحكامه، بل تسيء أيضاً إلى مقام الألوهية والرسالة معاً، وكثير منها ينهل من مستنقع الخرافة، غير أننا فضلنا لعدم الإطالة الاكتفاء بهذين المثالين ليعرف القارئ ماذا نقصد.