الدين بين الاختيار والإلزام القسري

25-08-2025

العقيدة شأن شخصي، أي أنها اختيار حرّ للفرد المؤمن، الذي يقتنع ويمارس فعل التصديق والانخراط في دين ما، وأداء شعائره عن طواعية، بعد أن يبلغ سنّ الرشد مع تمتعه بكامل قواه العقلية. وباستثناء فترات الحروب القديمة حيث كانت الشعوب تهاجم بعضها البعض بسبب العقيدة -أو بذريعة الدين الذي يخفي مآرب أخرى دنيوية- وتحاول فرض معتقدها بالسيف أو بالترهيب أو بالإغراء والترغيب، فإن اللحظات التي كانت تلي فترة الحرب والمواجهة العسكرية تعرف إما ارتداد الناس عن العقيدة المفروضة، أو انخراطهم التدريجي فيها بعد أجيال بشكل سلمي، وبدون حروب مقدسة أو أي شكل من أشكال الإكراه والعسف، وفي إطار دولتهم المستقلة عن أي احتلال أو غزو أجنبي، حيث يتمّ ذلك عبر أشكال التبادل الثقافي والمبادلات التجارية والهجرات والتمازجات العرقية والإثنية البطيئة. ومعنى هذا أن فعل الإيمان لا يتمّ إلا في إطار الحرية، بينما يتحول إلى أيديولوجيا تتمّ مقاومتها عندما يكون مخططاً خارجاً عن إرادة الأفراد بل ويستهدف أساساً حريتهم واختياراتهم المبدئية، ويرمي إلى خدمة أغراض الغير وجعل الإنسان والعقيدة معاً مجرد وسيلة لبلوغ مرام غير شريفة.

يعني هذا أن الإيمان في جوهره، سواء في الماضي أو في عصر حقوق الإنسان الذي نعيشه، هو من حيث المبدأ اختيار حرّ مسؤول وعاقل، وليس نسقاً تسلطياً مفروضاً بإكراه، وأن الذي يجعله كذلك في معظم الأحيان هو الأيديولوجيات السياسية وصراع المصالح التي فتحت شهية الغزو والاحتلال والانتفاع والهيمنة والتوسع والحكم باستعمال العقيدة، التي جعلت أفعال البشر تعرض على أنها "فتوحات" مباركة تتمّ تحت رعاية السماء.

ويمكن بهذا الصدد اللجوء إلى نصوص الدين الإسلامي نفسها، التي تشير إلى أن "لا إكراه في الدين" أو "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، إذ رغم أن هذه النصوص ليست تعني حرية المعتقد كما هو متعارف عليه اليوم، كما لا تعني التسامح الديني لأنها لا تتضمّن قبول الآخر المختلف، رغم ذلك يمكن القول إنها نصوص تفيد وجود إرادة لدى الشخص تمنحه حق الاختيار بين دين وآخر، مع التأكيد على عدم تساوي الأديان في قيمتها في الإسلام؛ إذ هناك "الدين الحقّ" وهناك الديانات "المحرّفة".

إذا سلمنا بأن العقيدة اختيار حرّ للفرد كما أسلفنا، فإن الثقافة التي تنتشر بين ظهرانينا سواء بتأثير السياسة التي يتم نهجها، أو من جراء انتشار أيديولوجيات دينية عابرة للقارات، تكاد أن تُحوّل الدين إلى "عقيدة قسرية". فالمجتمع الإسلامي عموماً ما زال يصرّ على الخلط بين الدين والسياسة وشرعية الحكم في غياب الأسس الفعلية للديمقراطية ولدولة المؤسسات، حيث تقوم الحياة الاجتماعية أساساً على فكرة التنميط الأيديولوجي للمواطنين باعتبارهم مسلمين، وإذا كان أحد ما شاذاً عن هذا الإطار فلن يكون إلا من الأقليات الطائفية، التي لا تحظى بنفس حقوق الأغلبية المسلمة، ومن أهم مظاهر "الإسلام القسري" عدم إقرار الزواج المدني حيث يفرض على كل مواطن يرغب في الزواج أن يقوم بذلك في إطار ضوابط المؤسسة الدينية الرسمية، ورغم أن الزوجين قد لا يكونان مقتنعين بتلك الطقوس الدينية، أو قد يكونان خارج دائرة الإيمان بالأديان أصلاً، فإنهما لا يجدان خياراً غير ذلك، وهذه من مظاهر التدين المفروضة التي لا غبار عليها.

وفي التعليم يبدو هذا "الإسلام القسري" بصورة لا تخلو من عنف، فالمدرسة حريصة على جعل كل الأطفال مسلمين بقوة، بل تعتبر ذلك من أهداف التعليم الرئيسية، ومن شدّة حرصها على ذلك فهي تزيد من جرعة المواد الدينية في المقررات الدراسية بطريقة لا عقلانية تؤدي إلى نتائج مضادة لأهداف التربية العصرية ولقيم المواطنة والمساواة بشكل فاضح، وقد يصل الأمر إلى حدّ تقديم معطيات غير صحيحة من أجل ترسيخ الإيمان كما هو الشأن في قلب العديد من السلبيات وإظهارها كما لو أنها إيجابيات، وما يقال عن مجتمع الصحابة في صدر الإسلام أو بعض ما يقال عن الديانات الأخرى في مقارنتها بالإسلام أو ما يروى عن حياة العرب وثقافتهم قبل الدعوة النبوية وتقديمها على أنها "ظلمات الجهل" التي سيبددها نور الإسلام فيما بعد.. إلخ.

وفي وسائل الإعلام الرسمية تفرض على القنوات البدء بالقرآن والختم به، إضافة إلى الدروس الدينية، ولا تسمح لأية عقيدة أخرى بالظهور بما فيها اليهودية مثلاً في المغرب والتي تعترف الدولة بوجودها بالمغرب منذ آلاف السنين.

وفي الشارع تكتسي العديد من مظاهر العنف الرمزي طابعاً مشروعاً بسبب تكريسها لنمط من التدين السطحي المبني على النفاق الاجتماعي بشكل كبير، فالرقابة على الأشخاص في رمضان، والإغلاق الإجباري للمقاهي والحانات، ومحاصرة المرأة العصرية التي أصبحت مهددة بسبب لباسها ومظهرها، حيث النظرات الشزراء والعنف اللفظي والنميمة لها مفعول قهري هدفه إلزام النساء بنمط من التدين المظهري الخارجي، وهو عنف يتمّ تبريره دينياً بضرورة "الستر" حتى ولو لم تكن المرأة عارية وكانت بلباس أنيق دون أن تضع غطاء الرأس. كما أن أبواق المساجد أصبحت تطلق بشكل احتفالي منذ الفجر بطريقة لا يقبلها الذوق السليم ولا آداب احترام الغير، وأصبحت تبدو كما لو أنها انتهار للناس وانتقام من النائمين أكثر من كونها أذاناً للصلاة، ورغم استنكار أغلبية المواطنين لذلك في مجالسهم الخاصة، حيث لا يستيقظ لصلاة الفجر إلا أقلية قليلة منهم، فإنّ لا أحد يستطيع الشكوى بسبب الخوف من ردود أفعال غير متسامحة. وفي التاكسي ووسائل النقل العمومية إذا كان من الممكن لأي مواطن أن يطالب بتخفيض صوت الشريط السمعي إن كان به موسيقى أو غناء، فلا أحد يجرؤ على المطالبة بالشيء نفسه إن كان الأمر يتعلق بشريط ديني، حتى ولو كان من نوع الأشرطة المزعجة التي ينشرها وُعّاظ جهلة وأميون.

يمثل "الإسلام القسري" أحد مظاهر ردود الأفعال النكوصية ضدّ تحولات المجتمع العصري وتطوره نحو الحداثة السياسية والثقافية والمجتمعية، وهو إسلام يقتات من الصمت والتواطؤ، مما يجعل طرح ظواهره للنقاش أمراً لا يخلو من أهمية في السياق الراهن.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

من "التجديد" إلى "التحديث"

أ. أحمد عصيد

25-12-2024

آراء الكتاب

مدونة الأسرة المغربية، نحو مدنية النص

أ. أحمد عصيد

07-01-2025

آراء الكتاب

لماذا تسوء أخلاق الناس مع تزايد نسبة التديُّن؟

أ. أحمد عصيد

13-01-2025

آراء الكتاب

مشاكل الفكر الفقهي مع الدولة الحديثة

أ. أحمد عصيد

02-06-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة