الحلال والحرام.. بين الهوى والوحي

17-11-2025

أيها القارئ العربي صاحب القومية المكلف بوحي السماء لفظاً ومعنى! لعلّ أكثر ما استقر في وعيك الجمعي، وأكثر ما كبّل حركتك الفكرية والعلمية، هو ذاك السؤال الموروث الذي يسبق كلّ اكتشاف أو تجربة أو فكرة:

 هل هذا حلال أم حرام؟ 

سؤالٌ صار يقف على باب كلّ جديد، قبل أن يُسأل: هل فيه خير؟ هل فيه نفع أم لا؟ هل يقود إلى عمران أو علم أو هداية أم لا؟

 لقد صار الحلال والحرام عند كثير من الناس، خاصة من يتصدرون الخطاب الديني والفتاوى، أشبه بسيفٍ مصلتٍ على الفكر، يمنعه من الخروج إلى فضاء الله الواسع، حتى بات الناس يتهيبون من التجربة قبل أن يفهموها، ويحكمون على المجهول قبل أن يقتربوا منه.

لقد تغذّى العقل الجمعي المسلم على ثقافة التحريم حتى صارت قيوداً ثقيلة في وعيه، يحسبها ديناً وهي ليست من الدين في شيء. 

ولو رجعنا إلى كتاب الله، لوجدنا أنه وضع لهذا الباب حرمةً لا يُفتح إلا بإذنه؛ فقال سبحانه: 

{وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلࣱ وَهَـٰذَا حَرَامࣱ لِّتَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِینَ یَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا یُفۡلِحُونَ} سورة النحل: 116.

تأمّل هذا التهديد القرآني العظيم؛ إنّ مجرّد أن تقول هذا حرام دون إذنٍ من الله، هو افتراء عليه بالكذب. والنتيجة التي نصّ عليها القرآن صريحة: لا يفلحون! أي لا نجاح، ولا بركة، ولا توفيق لمن نصب نفسه متحدثاً باسم الله فيما لم يأذن به، فكانت النتيجة في واقع الأمة المخزي كما نرى ونسمع.

وفي موضعٍ آخر، يقطع الله الشكّ باليقين فيقول: 

{قُلۡ أَرَءَیۡتُم مَّاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقࣲ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَاماً وَحَلَـٰلاًۚ قُلِ ٱللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ} سورة يونس: 59.

هل ترى كيف وضع الله مفتاح هذا الباب في كلمةٍ واحدة؟ «أَذِنَ لَكُمۡ»؟

التحريم لا يكون إلا بإذنٍ صريح من الله تعالى، لا بفتوى، ولا بإجماع، ولا بقول فقيه. فالحلال والحرام ليسا مجالاً للاجتهادات البشرية أو الظنون الفقهية، بل لهما مقامٌ إلهيّ لا يُقترب منه إلا بنصّ قاطع الدلالة.

إن دائرة الحرام في القرآن ضيقة جدّاً، محصورة في مواضع معدودة، بينما فضاء المباح واسعٌ لا يُحدّ، وكلّ ما لم يأتِ فيه نصٌّ بالتحريم فهو في الأصل مباح، ثم تأتي القيودُ لتنظّم لا لتمنع. والتقييد في القرآن ليس تحريماً، بل ضبطاً للحركة الإنسانية وفق مقاصد الحكمة، فهو دليل سلامة قبل أن يكون قيد حرية.

كلمة «حرام» حين تخرج من فمك يجب أن تكون مصحوبةً بإذنٍ من الله، وإلا كنت متعدّياً على حدوده. إنّ التحريم ليس رأياً، بل توقيعٌ باسم الله، فكيف يجرؤ بشرٌ على أن يوقّع دون إذن؟ إنّ النصّ القرآني يفرّق بين التحريم المباشر وبين التحريم بالمقابلة! فالتحريم المباشر مثل قوله تعالى:

{حُرِّمَتۡ عَلَیۡكُمُ ٱلۡمَیۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِیرِ} سورة المائدة: 3.

أما التحريم بالمقابلة، فيفهم من المقارنة بين نصٍّ يُحلّ شيئاً وآخر يمنع في سياقٍ محدد؛ كقوله تعالى: 

{أُحِلَّ لَكُمۡ لَیۡلَةَ ٱلصِّیَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآىِٕكُمۡ} سورة البقرة: 187.

فمن هنا يُفهم أن الرفث في نهار رمضان ممنوع، لكنه لا يرتقي إلى مرتبة التحريم القطعي الذي وُصف به الميتة أو الدم أو لحم الخنزير وأكل الربا ومال اليتيم والفواحش وعقوق الوالدين والشرك بالله ونكاح المحارم، وغيرها من المحرمات الصريحة.

وهذا الفرق الجوهري بين التحريم المباشر والتحريم بالمقابلة يجب أن يُدرك بعمق، لأن الخلط بينهما جعل الدين يُثقل كاهل الناس بأغلالٍ لم يُنزل الله بها سلطاناً.

ثم إنّ في الفقه نفسه قاعدة عظيمة، لكنها ضاعت تحت تراكم الاجتهادات، وهي: الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما حُرّم بنصٍّ أو دلّ على تحريمه دليلٌ ظاهر.

إنّها قاعدة تفتح أمام الإنسان باب الحياة، وتدعوه إلى التفكير والاكتشاف والعمل والإعمار، لا إلى الجمود والخوف والشكّ.

أيها الإنسان العربي، إن الله لم يخلقك لتعيش أسير التحريم، بل لتكون خليفةً في أرضه، تبحث في رزقه، وتتعامل مع سننه، وتستثمر في الخير حيثما وجدته. فالدين ليس قائمة محظورات، بل منظومة وعيٍ وهدايةٍ تزن الأمور بميزان الحكمة، لا بعصا الرهبة! 

وهنا، عند هذا المفترق الدقيق بين حدود التحريم وفضاءات المباح، تتوقف رحلتنا الأولى، على أن نتابع في المقال القادم ما بعد حدود التحريم إلى فضاءات التقييد والمنع والنهي والاجتناب.. إلخ.

فنتبين كم كانت شريعة الله تعالى سمحة واسعة باتساع الوجود لا ضيقة بضيق عقول بعض الفقهاء وأصحاب العمائم المتشدقين بزخرف القول: {یَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَـٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَـٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَـٰبِ وَیَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَیَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ یَعۡلَمُونَ}.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

«الصحيفة الصادقة».. إيهام العقول وتمرير الأجندة

ياسر العديرقاوي

06-07-2025

آراء الكتاب

لماذا أُمر النبي باتباع ملة إبراهيم؟

ياسر العديرقاوي

17-08-2025

آراء الكتاب

ميراث العباد من النبوة

ياسر العديرقاوي

04-05-2025

آراء الكتاب

مفهوم النشوز في لسان التنزيل بعيداً عن المعاجم

ياسر العديرقاوي

12-05-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة