مقدمة
الحرية لفظ مرادف للإنسانية، باعتبار أن الإنسان كائن لا يمكن إلا أن يكون حراً، وبهذا الاعتبار لا يمكن القول إنها ترف فكري في الفلسفة القرآنية، بل هي جوهر الوجود الإنساني الذي يمنح الإنسان كرامته ومعناه. إنها نَفَس الروح الذي نفخه الله في الآدمية، وجوهر الاستخلاف الذي يقوم على حرية الإرادة والاختيار. فالقرآن لا يرى الإنسان عبداً لمؤسسة أو نص ثانوي، بل عبداً لله وحده، ومن هذه العبادية المطلقة تنبثق الحرية المطلقة من كل سلطة بشرية أو فكرية تقيد العقل وتكبل الضمير.
الحرية في الرؤية القرآنية
جاء القرآن ليحرر الإنسان من كل أشكال العبودية المزدوجة: عبودية الجسد وعبودية الفكر.
قال تعالى:
)لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) [البقرة: 256].
هذه الآية تؤسس لمبدأ الحرية الدينية والسياسية والفكرية؛ فهي تحمل في دلالاتها معنيين: الأول: نفي للإكراه، والثاني: إعلان لتحرير الإنسان من الوصاية باسم السماء. فالله لم يجعل من الإيمان فعل قسر، بل فعل عن اقتناع ومسؤولية عن وعي.
وفي قوله تعالى:
(فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ([الكهف: 29].
تعلن هذه الآية القرآنية أن حرية الاعتقاد جزء من نظام الكون الإلهي، لأن الإيمان القسري لا معنى له في ميزان الله.
القرآن لا يعاقب على الكفر الدنيوي، بل يترك الحساب لله وحده، بينما نجد الفقهاء والحديثيين قد حولوا هذا المبدأ إلى منظومة عقوبات ودماء، ابتداءً من "حد الردة" إلى فقه "الطاعة العمياء".
الحرية في مقابل الروايات الحديثية
حين ننتقل من القرآن إلى مدونة الحديث، نلمس انزياحاً خطيراً في المفهوم.
فالحديث الذي يقول: "من بدل دينه فاقتلوه"، يناقض تماماً المبدأ القرآني في حرية المعتقد. لقد تسلل من خلال الرواية منطق الدولة السلطانية التي ترى في الدين نظام طاعة لا نظام حرية، فتحولت العقيدة إلى هوية سياسية لا علاقة لها بحرية الضمير.
إن روح القرآن قائمة على الاختيار، أما روح الحديث الموروث فغالباً ما تنزع نحو الانصياع، وتحول الإنسان إلى تابع لا إلى مفكر. ومن هنا بدأ الانفصام النكد بين إسلام القرآن وإسلام الروايات: الأول دين حرية ومسؤولية، والثاني منظومة ضبط وسلطة.
الفقه وتحول الحرية إلى طاعة
الفقه الإسلامي، وهو نتاج تاريخي للثقافة السلطانية، تمت صياغة مفاهيمه في ظل السلطان لا في ظل القرآن.
فبدل أن يقرأ النص في ضوء الحرية، قرأه الفقهاء في ضوء الخضوع، وبدل أن يجعل الإنسان محور التشريع جعله موضوعاً للتقييد.
لذلك نجد الفقهاء قد حولوا الحرية إلى استثناء، والعبودية إلى قاعدة، فشرعوا "طاعة أولي الأمر" بلا قيد، و"حد الردة" بلا تمييز، و"الولاية الذكورية" بلا منطق، متناسين أن القرآن قال:
(وما جعل عليكم في الدين من حرج ([الحج: 78].
فالحرية في القرآن هي حق مدني وشرط أساسي لمفهوم العبادية -لا العبودية- لله؛ إذ لا عبادية لله دون حرية من كل ما سواه.
بين النص الإلهي والنص البشري
يختلف النص القرآني عن الحديث والفقه اختلافاً في الجوهر والروح والمصدر.
فالنص القرآني يؤسس للحرية، أما النص الحديثي والفقهي فقد أدارها في فلك السلطة.
والقرآن يحرر الإنسان من الوهم والقداسة الزائفة، بينما الفقه أسس طبقة من القداسة تعيد إنتاج الوصاية نفسها التي حاربها الوحي.
بهذا المعنى، يمكن القول إن التحول من القرآن إلى الفقه كان انتقالاً من دين التحرير إلى دين السيطرة، ومن الضمير الإنساني إلى الوصاية الفقهية.
الحرية القرآنية كقيمة كونية
الحرية في القرآن ليست حكراً على المسلم، بل هي حق لكل إنسان، لأنها تخرج من رؤية كونية:
(ولقد كرمنا بني آدم ([الإسراء: 70].
فالكرامة تشمل الإنسان بما هو إنسان، لا بما هو مؤمن أو منتمٍ إلى طائفة أو مذهب.
إنها كرامة الروح والعقل والاختيار، لا كرامة الامتثال والتقليد.
ومن ثَم فإن أي نظام فقهي أو سياسي يقيد حرية الإنسان في الفكر والرأي يناقض جوهر القرآن الذي جعل العقل أداة الهداية، والحرية طريق الإيمان.
خاتمة
إن الحرية القرآنية ليست شعاراً بل مشروعاً لتحرير الإنسان من كل وصاية فكرية أو دينية أو سياسية.
أما الروايات والفقه، فقد حولا الدين إلى مؤسسة ضبط، ففقد الإنسان وجهه الحر وضميره الحي.