الجمود الفقهي نكوص عقلي مزمن

28-04-2025

تبدو بعض الأفكار الفقهية والدينية في المجال الثقافي الإسلامي المعاصر أشبه بنكوص عقلي مزمن، والمثير أن الذين يمارسون هذا النكوص العقلي يحاولون الظهور بمظهر مَن يُناظر ويناقش بالعقل والحُسنى، حيث يسقطون في أخطاء قاتلة تجعلهم عرضة للسخرية.

فسواء تعلق الأمر بالدعوة إلى "الجهاد" بوصفه نشراً لرسالة سامية عبر العنف، أو بمعاداة العلوم والثورات المعرفية المعاصرة، أو برفض أسس الدولة الحديثة التي يعيشون في ظلها، أو بالحنين إلى عودة "الحريم" وإعادة المرأة إلى البيت، أو محو مظاهر الاختلاف والتنوع التي تطبع الحياة العصرية، فيبدو أن كلمة "غزو" سواء بمعناها المادي أو الرمزي الثقافي تختزل كل آمال وأحلام المشايخ؛ لأنها تمثل ما يسمونه "مجد الأمة". ويكتسي هذا الغزو طابعاً عنيفاً تارةً، وطوراً يتخذ طابع التبشير السلمي بالدين وبقيمه عند الآخر، وهذا كله يطرح علينا خمس مفارقات غريبة:

- أن "الدين الحق" في زماننا هذا ليس بحاجة إلى عنف مادي أو رمزي ليعرفه الناس ويتبنوه، فقد وصلت ديانات كثيرة إلى أقاصي الأرض بالكلمة الطيبة والأفكار النبيلة والحوار الحضاري، وما دام هناك حاجة إلى العنف لنشر دين ما فمعناه أنه ليس بالبداهة التي نعتقد.

- التناقض الثاني أن المشايخ يزعمون أن للمسلمين الحق في نشر دينهم لدى الغير بكل الوسائل، لكنهم لا يقبلون مطلقاً أن يقوم الغير بالتعريف بدينه في بلادهم، بل إنهم يعتبرون ذلك عدواناً خطيراً وتهديداً لكيانهم ومؤامرة على الإسلام والمسلمين.

- من جهة أخرى، فالمشايخ يخلطون بين العصور ويقفزون على الزمن والتاريخ بشكل غريب؛ لأنهم ذهنياً ما زالوا يعيشون في زمن الغزوات الأولى، وعقارب ساعاتهم لم تتحرك من ذلك التاريخ.

- ولعل من البديهيات التي لا تبدو مفهومة لدى قوى التقليد عموماً هي أن مَن يسعى إلى نشر دينه عند الغير سواء بالحوار أو الإكراه يفترض أن "الغُزاة" و"المبشرين" أرقى حضارياً ومعرفياً وتقنياً وأخلاقياً من "الكفار" الذين تتم "هدايتهم"، والحال أن الأمر معكوس تماماً، فتخيلوا معي أن هؤلاء المشايخ الجهَلة يسعون لإقناع بلدان مثل سويسرا أو الدنمارك أو النرويج أو كندا، أو غيرها من البلدان التي تحتلّ الرتب الأولى عالمياً في جودة الحياة والسعادة والحكامة والنزاهة والنظافة، ما الذي سيقدمه المشايخ "الغزاة" للعالمين الذين يرفلون في بحبوحة العيش الكريم؟ هل سيأتونهم بثقافة الاستبداد أم باحتقار النساء أو الحجر على الحريات والرقابة على حياة الأفراد؟ هل يعلمونهم الكراهية والعنف والجهل المقدّس ونهب المال العام والتزوير والكذب والغش وسوء التسيير والعشوائية والخرافة و"الرقية الشرعية"، وكل ما يسود في بلاد المسلمين؟ أم إنهم سينقلون إليهم ركام الأزبال والقاذورات التي تحتل الشوارع والأزقة والروائح التي تزكم الأنوف في كثير من بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط؟ ألن يُصبح الغزو المادي أو الرمزي بغرض إعادة شعوب راقية إلى عصورها الحجرية؟ ما الجدوى منه إذن؟ يبدو أن المَثل القائل "فاقد الشيء لا يعطيه"، مفيد في هذا المقام.

- يجري هذا النقاش في 2025 في الوقت الذي يسهر فيه علماء الأمم الراقية في مختبرات العلوم ساعات طويلة نهاراً وأطرافاً من الليل لاكتشاف الجديد المبهر في الطب والصيدلة وعلوم الزراعة والاختراعات التقنية المختلفة، هؤلاء "المجاهدون" الحقيقيون يفكرون في مستقبل البشرية وكيفية مواجهة تحديات المجاعات والأوبئة والتغير المناخي، وبعض مشايخنا ما زالوا يفكرون في "غزو" الجيران وفرض دينهم عليهم باعتباره الحق المطلق. 

ورغم فظاعة كلام المشايخ فالناس يتبعون في خشوع؛ لأن كلام الغزو و"الظهور على الغير" يشفي غليلهم في عز القهر الاجتماعي وضيق ذات اليد وانسداد الآفاق، ويجعلهم يتخيلون المسلمين يسودون على الشعوب الأخرى التي تمثل 80 في المائة من سكان العالم.

على هؤلاء تنطبق العبارة "وبئس المصير"؛ إذ ليس هناك من مصير أسوأ من التيه الحضاري والضياع والتخبط خارج التاريخ.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

من "التجديد" إلى "التحديث"

أ. أحمد عصيد

25-12-2024

آراء الكتاب

مدونة الأسرة المغربية، نحو مدنية النص

أ. أحمد عصيد

07-01-2025

آراء الكتاب

لماذا تسوء أخلاق الناس مع تزايد نسبة التديُّن؟

أ. أحمد عصيد

13-01-2025

آراء الكتاب

مشاكل الفكر الفقهي مع الدولة الحديثة

أ. أحمد عصيد

02-06-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة