يضطلع التعليم في كافة مراحله بدور أساسي في تجديد الفكر الديني وتأهيل الإنسان في العالم العربي والإسلامي ليعيش عصره ويواجه ما يطرحه عليه من تحديات راهنة ومستقبلية. وتنهض عملية التأهيل على مراجعة جذرية لمناهج التربية والتعليم وبرامجهما باعتبار أن اختيار نمط التعليم هو اختيار لنمط الحضارة، و"لأن التربية الحسنة هي حقاً المنبع الذي يصدر عنه كل الخير في العالم"، على حد تعبير فيلسوف التنوير الألماني إيمانويل كانط. ويلح هذا الفيلسوف على إرساء أسس جديدة للتربية تقوم على تصور مستقبلي كوني وسياسي يتضمن أبعاداً قيمية وإنسانية شاملة. ومن هذا المنظور فالتعليم هو الكفيل بإكساب الإنسان القدرة على التأقلم مع روح عصره والتفاعل مع معطياته المعقدة والانزياح به عن منطق التقليد والانغلاق إلى منطق الانفتاح والإبداع، والموصل إلى استشراف المستقبل. ومؤدى هذه العملية إصلاح الذات من الداخل وانفتاح على منجزات الآخر بعقلية النجاعة والاقتناع.
وأضحى اليوم لازماً، لا سيما في ظل جمود الدراسات الدينية التقليدية وانتشار نزعات التطرف والتشدد باسم الدين، أن تخضع دراسة الإسلام تراثاً وتاريخاً وحضارة للمناهج العلمية الحديثة، وأن توضع جانباً تلك الطرق التقليدية في دراسة الإسلام المعتمدة على الحفظ والتلقين والتي تعكس تصوراً للمعرفة يقول بكمالها وبكونها مجموعة من المعارف المنجزة الجاهزة التي يقتصر دور المتعلم على تحصيلها ودور المعلم على نقلها نقلاً أميناً. فالمطلوب اليوم إعادة النظر في أشكال بناء المعرفة وأساليبها قبل الاهتمام بتلقينها في شكل معارف جاهزة؛ "لأن الغاية الكبرى من التعليم هي تطوير القدرات والمهارات التي تمكن المتعلم مستقبلاً من بناء ذاتي متجدد للمعرفة وقدراً كبيراً من الذكاء في الدفاع عنها وإقناع غيره بها"، كما أكد خالد الصمدي في كتابه عن أزمة التعليم الديني في العالم الإسلامي.
ويرتكز إصلاح مناهج التربية والتعليم على ثلاثة مقومات، وهي:
1- تركز هذه المناهج على تجذير الحس التاريخي وترسيخ الوعي النقدي والنزعة العقلانية، وهو ما يساعد على الابتعاد عن الأفكار الخرافية ونزع الأسطرة ورفض التقليد والوصاية وتجنب الوثوقية والبداهة والإطلاقية، والانتقال من المعرفة الخبرية الإخبارية -تلك المعرفة القائمة على سلطة الخبر التي تكرس الوصاية والاتباع والتقليد- إلى المعرفة الاختبارية القائمة على الاختبار بما يعنيه من تنمية مهارات فحص الأدلة وتمحيص الوقائع والروايات والأحاديث والأقوال وتحليلها وتفكيكها، وهو ما من شأنه أن يجنب الناشئة الوقوع تحت تأثير السلطة التي تمثلها مرجعية "مَن قال" وهم مسلوبو الإرادة لا حول لهم ولا قوة ولا قدرة على التمحيص والتدقيق في "ما قال"، ويتطلب ذلك الاعتماد على علوم الإنسان والمجتمع الحديثة، وبالأخص علوم التاريخ والاجتماع والنفس والأنثروبولوجيا واللسانيات، دون إغفال الفلسفة باعتبارها تغرس الروح النقدية والارتقاء بملكة التفكير والتحليل، وبتنمية القدرة على التعايش مع الآخر، وإثراء التجربة الإنسانية والتكيف مع تعقيدات الواقع، وبفتح آفاق المعنى على ما هو جديد ومدهش، وهذه كلها علوم ضرورية في كافة مراحل التعليم المدرسي والجامعي مهما تكن التخصصات.
2- تدريس البرامج الدينية وفق علوم الأديان الحديثة، وخصوصاً علم الاجتماع الديني وأنثروبولوجيا الأديان وعلم الأديان المقارن، وهو ما يمكن من إثراء المعرفة الدينية من خارج الدغمائيات العقائدية المنغلقة، ويكرس النسبية الدينية والتعددية الثقافية واحترام الاختلاف الديني والثقافي، ويساعد على تبين وظائف الدين الوجودية والاجتماعية والنفسية، وعلى التمييز بين الدين في ذاته من حيث هو جوهر إيماني روحاني والفكر الديني المندرج في سياق التأويلات البشرية الخاضعة للسياقات التاريخية ولكل ما يعتري عمل البشر من محدودية ونسبية.
3- ينهض على توطين جملة من القيم الحديثة ودخلنتها لتصبح جزءاً من البنية الذهنية ومكوناً من مكونات الشخصية القاعدية؛ وهي قيم الحرية والمساواة والاعتراف بالآخر وحق الاختلاف والتسامح، وهي القيم التي تهيئ الفرد لأن يبتعد عن نزعات التعصب والانغلاق والإقصاء، ولأن يحترم التعدد والتنوع ويتعايش مع غيره المختلف عنه، وما يمكنه من بناء شخصية مستقلة، قادراً على التفكير بذاته لا سلطان عليه من الماضي أو من المتكلمين باسم سلطة الموروث.
ولعله من المفيد التنبيه إلى إحكام التنسيق بين المؤسسة التعليمية والهيئات الوسيطة في المجتمع على غرار وسائل الإعلام والجمعيات والمنظمات؛ لأن الأمر يتعلق ببناء شخصية الناشئة بمكوناتها الذهنية والوجدانية والنفسية والذوقية والاجتماعية، وفي غياب التنسيق والتكامل يكون المتعلم عرضة لتأثيرات متباينة في خلفياتها وأهدافها ما يشوش عليه اختياراته.
إن عملية إصلاح التربية والتعليم قد تكون عملية مضنية وطويلة النفس، ولكن فوائدها عظيمة في تكوين أجيال متحررة من التقليد والمحاكاة والوصاية، متشبعة بالعقلانية والروح النقدية، مؤمنة بالانفتاح وتقبل المخالف، مستبطنة قيم الاختلاف والتعدد والتعايش، وهو ما يصب حتماً في مشروع تجديد الفكر الديني، وهنا يلتقي النظر في أمر التعليم ومناهجه مع تجديد الفكر الديني، فهما أمران متكاملان متعاضدان وسيلةً وغايةً.