البيان النبوي للقرآن ليس حذفاً ولا إضافة

22-12-2024

لا شك أن القرآن هو بيان بذاته، ومفاتيح فهمه في داخله، وهو يفسر بعضه بعضاً، قال تعالى: (هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) [آل عمران: 138].

ويذهب الشيخ الألباني إلى أن البيان المذكور في قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) [النحل: 44] يشتمل على نوعين من البيان:

الأول: بيان اللفظ ونظمه، وهو تبليغ القرآن، وعدم كتمانه، وأداؤه إلى الأمة كما أنزله الله تبارك وتعالى على قلبه عليه الصلاة والسلام.

والآخر: بيان معنى اللفظ أو الجملة أو الآية الذي تحتاج الأمة إلى بيانه، وأكثر ما يكون ذلك في الآيات المجملة أو العامة أو المطلقة، فتأتي السنة فتوضح المجمل، وتخصص العام، وتقيد المطلق. وذلك بقوله وفعله وإقراره. (انظر: منزلة السنة في الإسلام وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن).

ومع أن تأويل الآية متعلق ببيان النبي عليه الصلاة والسلام لأهل الكتاب الصواب من الخطأ بما في القرآن، وليس ما يذهب إليه الشيخ وغيره، ومع ذلك سنناقش ما قرره الشيخ في هذا التقسيم الشائع والخاطئ في فهم الآية، فنقول: نتفق مع الشيخ الألباني في النوع الأول تماماً، ويشهد لذلك المعنى آيات كثيرة؛ منها قوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون) [آل عمران: 187] أي بيان اللفظ وعدم كتمانه. 

وأما النوع الثاني فنقبله في حال كان بمعنى بيان المقصود من الآية ولم يكن فيه زيادة لأحكام بروايات معينة، أو نسخ للحكم سواء كان نسخاً كلياً أو جزئياً بروايات منسوبة للنبي الكريم. ومثل ذلك التقييد والإطلاق. وللحنفية قواعد وجيهة في هذا الصدد، ولكن تطبيقها ضعيف؛ بمثل: (الزيادة على النص نسخ)، ويقصدون أن النص القرآني إذا استقل بتشريع الحكم فإن أي زيادة عليه في الحديث تجعل الحديث ناسخاً للقرآن، والحديث لا ينسخ القرآن.

فبيان القرآن للأحكام يكون في القرآن نفسه، وتأتي الروايات مؤكدة للنص القرآني لا ناسخة له أو مضيفة عليه.

والمفسرون عامة متفقون أن بيان القرآن بالقرآن هو أفضل طرق التفسير؛ يقول ابن تيمية: (فإن قال قائل فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أُجمل في مكان فإنه قد فُسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بُسط في موضع آخر. فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له.. إلخ) (مقدمة في أصول التفسير).

وبناءً على ما تقدم لا تُعد روايات رجم الزاني المحصن بياناً للقرآن؛ بل هي إلغاء لأحكامه التي قررت الجلد فقط عقوبة للزناة، في قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا..)، وكذلك روايات قتل المرتد عن دينه عقائدياً لا تُعد بياناً للقرآن؛ بل هي إلغاء لأحكامه التي تقرر حرية الاعتقاد وتنفي الإكراه، بمثل قوله تعالى: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).

ومع إقرار ابن تيمية أن تفسير القرآن بالقرآن ولا ينتقل إلى السنة إلا إذا أعياه ذلك، نجد أن المفسرين عامةً يفسرون القرآن بالروايات لأن (السنة قاضية على الكتاب)، فهي تلغي كل سياق أو فهم وتبقي ما نُسب للنبي الكريم، وبالتالي صار بيان القرآن بالقرآن نظرياً وفي حدود ضيقة؛ بسبب هيمنة الروايات المنسوبة للنبي أو الصحابة.

ومن يرى أن وظيفة النبي بيان القرآن بمعنى الشرح فسيجد نفسه أمام بعض التساؤلات، منها:

1- لماذا توفي النبي الكريم محمد عليه الصلاة والسلام ولم يُبين سوراً كثيرة من كتاب الله، وكذا لم يُبين معاني الأصوات المقطعة في بدايات بعض السور.

2- لماذا اختلف الصحابة في فهمهم لآيات معينة؛ وهذا واضح في كتب التفاسير كتفسير الطبري، والذي غالباً ما يَبتدئ كلامه بقوله: "اختلف أهل التأويل"، ثم يسوق الأقوال المختلفة في ذلك، وأيضاً ذكر الشيخ مناع القطان في كتابه (تاريخ التشريع الإسلامي) بعضاً من القضايا التي اختلف فيها الصحابة، فذكر منها قضايا تتعلق بالربا والغنائم والطلاق والميراث، وغيرها.

إن القرآن بيان ومبين في ذاته، وهو نور وهدى، وتلاوته حجة على سامعه، ولو كان النبي عليه الصلاة والسلام من وظيفته البيان بمعنى الشرح لاتهمنا النبي بالتقصير -لا سمح الله- عن بيان كثير من السور والآيات التي لا نجد فيها ذلك.

قال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) [النحل: 89].

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

الاختلاف في الوحي ليس من الله

غسان النبهان

19-09-2024

آراء الكتاب

الأخلاق والقيم العليا.. منظومة اجتماعية وميثاق إنساني عالمي

غسان النبهان

01-09-2024

آراء الكتاب

التعددية وضوابطها في القرآن

غسان النبهان

01-09-2024

آراء الكتاب

الفِرقة الناجية مَن تعمل صالحاً

غسان النبهان

14-09-2024

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة