الإيمان وثنائية القلب والعقل

04-11-2025

يدرك الدارس لتاريخ الفكر الديني أن كثيراً من المعتقدات التي يظنها الناس بدهية وفطرية ولا يُحتاج فيها إلى إعمال عقل وتفكير هي في الأساس جزء من أنماط معرفية متوارثة وتحيزات غير واعية لثقافات سائدة يعيشها الناس في مجتمعاتهم.

أسهم تقدم المعارف والعلوم في عصرنا الحاضر في زيادة قوة التدافع والحراك بين الأمم والشعوب على جميع المستويات الثقافية والاقتصادية والعلمية، ولم يكن الفكر الديني بمعزل عن هذا التدافع؛ فقد سعى كثير من المصلحين إلى تقديم صياغات جديدة لمعتقداتهم الدينية تعزز معقولية العقيدة ومدى استجابتها لهذا التدافع من ناحية، وتعمل على الحفاظ على جوهر الإيمان ومقاصده من ناحية ثانية. 

تُمثل العودة إلى مناقشة المفاهيم الجوهرية للدين جانباً أساسياً في أي مشروع فكري يطمح إلى تجديد الفكر الديني ويسعى إلى اكتشاف مساحات جديدة للدين تسهم في استثمار طاقاته الخلاقة التي من شأنها استنهاض المجتمع، ومن أهم تلك المفاهيم مفهوم "الإيمان" الذي يتراوح في معناه بين كونه تصديقاً عقلياً يقوم على الأدلة والبراهين، وبين اشتماله على مشاعر وجدانية تتصل بتحقيق الأمن والطمأنينة. 

من أشهر التعريفات التراثية للإيمان ذلك التعريف الذي يصفه بأنه: "تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح"، والمتأمل في هذا التعريف يدرك أن الإيمان في أساسه هو قضية معرفية تقوم على التصديق، وقد تنبه بعض العلماء السابقين إلى الأبعاد المترتبة على حصر معنى الإيمان على التصديق العقلي، كما هو حال ابن تيمية الذي يقول: "الإيمان وإن كان يتضمَّنُ التَّصديقَ فليس هو مجرَّدَ التَّصديقِ، وإنَّما هو الإقرارُ والطُّمأنينةُ؛ وذلك لأنَّ التَّصديقَ إنَّما يَعرِضُ للخَبَرِ فقط، فأمَّا الأمرُ فليس فيه تصديقٌ من حيثُ هو أمرٌ، وكلامُ الله خبرٌ وأمرٌ؛ فالخبَرُ يستوجِبُ تصديقَ المخبِرِ، والأمرُ يَستَوجِبُ الانقيادَ له والاستِسلامَ".

فما ذهب إليه ابن تيمية يجعل التصديق مقصوراً على مجال "الخبر" خلافاً لمجال "الأمر" الذي لا يرى للعقل فيه نصيباً غير الإقرار والطمأنينة، وهذا التمييز بين مجالي التصديق والإقرار يفتح أمامنا أفقاً واسعاً للنقاش حول حقيقة التمييز بين الخبر والأمر ودور العقل في كل منهما، فالأمر قد يأتي بصيغة الخبر، ويصل إلينا من خلال الأخبار، وقد يكون الأمر متضمناً معنى معقولاً أو غير معقول، ويمكن أن يكون منسجماً مع القواعد الأخلاقية أو لا يكون، فمجرد صحّة الخبر ظاهراً لا توجب القطع بما يحويه من أوامر ونواهٍ.

ومن ناحية ثانية فإن إدراك الفكر الأصولي الإسلامي لعلّة الأمر والحكم عليه من حيث كونه واجباً أو مندوباً، محرماً أو مكروهاً، ناسخاً أو منسوخاً.. إلخ، إنما يؤكد فاعلية العقل الأصولي في إدراك معاني الأوامر الدينية الواردة في النصوص، لكن ذلك العقل لم يكن من اختصاصه الخوض في تمحيص النصوص من حيث تضمنها أوامر تتصادم مع القواعد العقلية أو الحقائق العلمية.

يمكن تفكيك مفهوم الإيمان بمعناه الديني إلى ثلاثة مفاهيم أساسية، وهي مفهوم التصديق كحكم عقلي، ومفهوم الأمن كشعور قلبي، ومفهوم الانقياد كدافع إرادي، فرغم اختلاف هذه المفاهيم في معناها فإنها متشابهة في نفس المؤمن الذي من يقرر أن يؤمن بعد تصديقه ويستشعر الأمن والطمأنينة لما عرفه من معاني ذلك الإيمان. وربما يكون ما ذكره القرآن عن القلب كملكة تجمع بين التفكر والتعقل والشعور يؤشر على هذا التركيب في عملية الإيمان عند الإنسان.

وفي مقابل القيمة المركزية لعملية التصديق العقلي للإيمان فإن بعض كتب العقيدة حصرتها على "تصديق النبي فيما علم مجيئه به بالضرورة من غير نظر واستدلال". وهذا الحصر يجعلنا نستبعد النظر والاستدلال العقلي للقضايا التي تحت طائلة "المعلوم بالضرورة"، الأمر الذي يحدّ من مرجعية العقل ودوره في المنظومة العقدية، ومن أمثلة ذلك القول بأن معرفة الخالق لا تحتاج إلى إعمال نظر واستدلال، والواقع أن المتكلمين والفلاسفة قد بذلوا جهوداً عقلية مضنية لوضع أدلة على وجود الصانع والرد على الدهرية.

من أهم مظاهر الاختلال في "تعريف الإيمان" هو نقل الإيمان من قضية معرفية إلى خضوع لتصورات متوارثة غير قابلة للمناقشة والاختلاف، وقد نتج عن ذلك تكثيف الشعور بالخضوع وجعله في مركز الثقل النوعي لمعنى الإيمان عوضاً عن تعميق مركزية التصديق العقلي كعملية تفاعلية وتكاملية مع جملة الملكات الإنسانية الأخرى.

ويلاحظ كذلك أن المعنى الاصطلاحي للإيمان قد جاء أقل سعة وانفتاحاً من تعريفه في اللسان العربي الذي شمل التصديق والأمن بكل أشكاله، ومن الجوانب الإشكالية لتعريف الإيمان في كتب العقائد أنه جاء مقصوراً على مفهوم الإيمان وفق منظور عقدي إسلامي، بل إنه لم يستطع أن يكون محل اتفاق بين مختلف مدارس العقيدة الإسلامية، كما هو الحال في مسألة العمل بالأركان وهل هي جزء من ماهية الإيمان وشرط من شروط صحته أم أنها شرط كمال. 

إن الإيمان بعالمية القيم الجوهرية للدين يستدعي تطويراً معرفياً للمفاهيم التي تتصل بتلك القيم، وبناءً على ذلك فإن تعريف الإيمان بمعناه الإنساني الشامل لا يتحقق دون استقراء جميع أشكال المعتقدات والتصورات الدينية التي عرفها تاريخنا البشري. وقصر التعريف الاصطلاحي للإيمان ليكون وفق المقاسات المذهبية والطائفية قد جعل مفاهيمنا تخسر كثيراً من مضامينها الإنسانية والعالمية.

لا يمكن تعريف الإيمان بمعناه الشامل دون التمييز بين مفهومي الإيمان والاعتقاد، وهنا يمكن القول بأن الاعتقاد يقوم على ما يقرره المجتمع أو السلطة الدينية من تصورات قطعية تخص القضايا الكلية في حياة الإنسان، بينما يتسم الإيمان بأنه أكثر فردية وحرية وقدرة على اكتشاف مساحات أوسع من المعرفة التي تتصل بتلك التصورات. 

العقل هو أساس عملية التكليف بالمفهوم الديني الإسلامي، وهو أمر يمنح الفكر الإسلامي فرصة كبيرة لبناء منظوماته العقدية والتفسيرية والتشريعية على أسس إنسانية عالمية تتعدى قداسة العرق وسذاجة الخرافة. والعقلُ هو رفيق الإنسان في سعيه لبلوغ الإيمان في جميع مراحله، وتبدأ مهمة العقل قبل الإيمان، وهنا يشبه مهمة الفيلسوف الذي يبحث بنفسه عن الحقيقة دون مقدمات دينية، ولكن هذه المهمة لا تلبث بعد الإيمان أن تتحول إلى مهمّة اللاهوتي الذي يدافع عن العقيدة بالأدلة العقلية، ورغم تباين العقلين الفلسفي واللاهوتي فإن مهمة العقل بعد الإيمان لا تقل إشكالاً وصعوبة عن مهمته قبله، فتقديم فهم متجدد لقضايا الإيمان، وابتكار البراهين العقلية التي تثبت مسلماته يحتاج إلى جهد عقلي كبير، ولا أدل على ذلك مما قام به القاضي عبد الجبار المعتزلي، أو الفخر الرازي، أو أبو المنصور الماتريدي، وغيرهم من المتكلمين الكبار. 

إن علاقة العقل بالإيمان هي إشكالية قديمة في الفكر الديني، لكن دور العقل يتفاوت بحسب اختلاف القضايا الإيمانية، ولعل الدور الأصعب للعقل وعلاقته بالإيمان يتمثل في الإقدام على نقد المعتقدات الدينية والذي يغلب عليه النفي أكثر من الإثبات، فالعقل أقدر على كشف تناقضات المعتقدات الخاطئة أكثر من قدرته على تقرير المعتقدات وإنشائها. ليس من وظيفة العقل أن يحسم موضوع الإيمان ولكنه قادر على مراجعة ما تحتويه التصورات الدينية من انتظام وانسجام وصلاح، أو ينتقد ما تحويه من أخطاء واختلال وتناقض.

وفي نهاية المطاف يمكن القول إنه مهما كان المعتقد الديني مخالفاً للعقل فإن قوة الرجاء وشدة الإيمان به تنفخ الروح فيه حتى وإن كان حجراً أصماً، وهذا يعني أن الإيمان "بشيء ما" مهما كان مناقضاً للعقل سيبقى متصلاً بذلك العطش القديم الذي يستشعر به المؤمنون تجاه إيمانهم مهما كانت أسماء أديانهم أو معتقداتهم.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

عمل المرأة وشقاء الرجل، عندما يكون التفسير معطلاً للحقوق

د. عامر الحافي

24-08-2025

آراء الكتاب

فلسفة القوة في ضوء القرآن

د. عامر الحافي

14-07-2025

آراء الكتاب

من شجرة المعرفة إلى شجرة الخلود

د. عامر الحافي

29-09-2025

آراء الكتاب

"العداء الديني" ليس دينياً

د. عامر الحافي

14-05-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة