من غير اليسير البحث عن تعريف للإيمان يستوعب مختلف الأديان والثقافات وتجارب الأمم والمجتمعات في التاريخ القديم والحديث. رغم أن الإنسان هو الإنسان مهما اختلفت ثقافته أو معتقداته، واحتياجاته الأساسية لم تتغير رغم تطور النظم الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك الحال مع الأسئلة الكبرى حول الوجود والغاية والمصير، فهي لا تزال ذاتها تشغل عقله ووجدانه.
الأصل في المفاهيم الإسلامية أن تكون عالمية من حيث فهمها واستجابتها للطبيعة البشرية، وهذا ما يجعل من رسالة الإسلام "رحمة للعالمين" وليست "ديانة عرقية" أو "ثقافة قومية" تؤسس لتصورات مركزية تعمق النزاعات بين الأمم والشعوب.
لا يتوقف التعارف بين الأمم والشعوب على الجوانب المادية والاقتصادية فحسب؛ وإنما يشمل كافة المجالات المادية والمعرفية والروحية. فالتعارف عملية تشاركية وتفاعلية تستوي فيها الأمم والشعوب على مهاد واحد لا يعلو فيه أحد على أحد. وكما يطمح المسلمون إلى مشاركة تجاربهم الروحية والإيمانية في فضاء هذا التعارف، فكذلك يطمح كل ذي تجربة من الأمم والشعوب.
يبدأ التعارف بين المجتمعات البشرية من الاستماع والاستعداد للتعلم والخروج الطوعي من دائرة العزلة والاستعلاء، وتحقيق النجاح في هذه الخطوة يضع اللبنة الأولى للعلاقات الحضارية. وهنا يمكننا القول بأن المعرفة الدينية ليست استثناءً طارئاً على نظام معارفنا البشري، وإنما هي جزء من عملية التعارف التي تقبل النمو والاستزادة، وتتجه في حركة تراكمية نحو مزيد من النضج والتكامل.
للإيمان حقيقة واحدة مهما اختلفت تصورات المؤمنين ومعتقداتهم، وهنا يكمن التمييز بين وحدة الأديان، باعتبارها جمعاً متكلفاً بين تصورات مختلفة لا تقبل الاجتماع، وبين وحدة الإيمان باعتبارها وحدة شعورية تسبق التصورات العقدية. وهذا ما يؤكد عليه القرآن في حديثه عن الميثاق الإيماني بين الخالق وبني الإنسان بقوله: "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ" (الأعراف: 172).
إن فهم معنى الإيمان باعتباره حالة فطرية للإنسان يؤكد اشتراك الناس وتشابههم في أعظم ميزة تميزهم عن غيرهم من الكائنات. فعندما ندرك أن الإيمان هو حق لكل إنسان فإننا سنكون أكثر حرصاً على الدفاع عن حق المؤمنين في الإعلان عن إيمانهم والعيش تحت ظلاله.
لا يتوقف مفهوم الإيمان في القرآن على الإيمان بما جاء به نبي واحد أو شريعة واحدة وإنما يقوم على ثلاث قضايا إيمانية جوهرية يمكن أن نتلمس أصولها في عموم التراث الديني الإنساني، وهي الإيمان بالخالق، والمسؤولية الأخلاقية (اليوم الآخر)، والعمل الصالح، وفي هذا المعنى تتحقق سعة الرحمة الإلهية التي لا تطيقها المقررات العقدية.
يمثل الإيمان الذاكرة الوجدانية المشتركة للبشرية، وهو يشتمل على جانبين اثنين؛ الأول هو الجانب الوجداني الذي يتصل بالمشاعر والعواطف التي تسعى إلى الأمن والطمأنينة، والثاني هو الجانب العقلي الذي يقوم على التدبر والتفكر بمواضيع الإيمان بهدف التثبت من صدقها، وهنا يمكننا القول بأن الإيمان الأكمل هو الذي يجمع بين العقل والقلب.
ليس الإيمان مجرد مسألة عقلية لا صلة لها بالمشاعر والعواطف والبحث عن الأمن والطمأنينة؛ فالإيمان لا بد أن يصدر من القلب ثم يصدقه العقل والعمل. وتدل على ذلك مسألة زيادة الإيمان ونقصانه التي شغلت علماء العقيدة وأحاطت بها هواجس الخوف من نسبية الإيمان أو إمكانية تغيره. لكنها بالإضافة إلى ما سبق فإنها تدل على التفاعل الطبيعي بين عواطف الإنسان وسلوكه، وهذا المعنى الأخير هو ما يشهد عليه القرآن بقوله: "إِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ". فالعلاقة بين الإيمان والعمل هي علاقة تبادلية، يزداد الإيمان فيها قوة بالعمل الصالح، وكذلك الحال فإن العمل الصالح يزداد مع قوة التصديق. وهنا ندرك أن الانفصال بين الإيمان والعمل هو أحد أكبر المشكلات التي تعتري الإيمان.
يمتلك العقل البشري قدرة هائلة على التدبر والتفكر في النفس البشرية إلى جانب تفكره في الآفاق الكونية وهذا يتطلب تفكيراً تكاملياً يحقق الانسجام بين حقائق النفس الداخلية وحقائق الكون الخارجية.
ذهب كثير من العلماء المسلمين إلى عدم صحة إيمان المقلد، وهو قول يؤكد مكانة العقل في الإيمان الإسلامي، لكن هذا القول ذاته يمكن أن يطيح بإيمان الغالبية العظمى من المؤمنين من أتباع الأديان والمعتقدات الذين يؤمنون بما يؤمن به آباؤهم. لكن المشكلة في الإيمان التقليدي هي سهولة أن يرتكس إلى الخرافات والأوهام، نتيجة تراجع دور العقل والتفكير السببي من جهة وتوسع مساحة التفكير الغيبي من جهة أخرى، وهكذا تبقى معادلة الجمع بين العقل والإيمان مسألة عسيرة على كثير من المؤمنين.
من المفاهيم الملتبسة بمعنى الإيمان مفهوم "الاعتقاد"، وهو تلك التصورات الجاهزة التي تتحدث باسم الإيمان ونيابة عن المؤمنين، صاغتها أيدي سلطة معرفية مسيطرة. وهذه السلطة تحكم برفض إيمان المخالف، باعتباره "عقيدة منحرفة" تقع خارج دوائر الاعتقاد المعتمَدة. وهنا يصبح الانشغال في إثبات الاعتقاد الصحيح هو الغاية الدينية الأولى دون الالتفات لعموم التجارب الإيمانية في مجتمعاتنا البشرية.
وعندما يتخذ مفهوم للإيمان شكلاً وصبغة نهائية لا تقبل الزيادة أو النقصان، فإن هذا يُخرج الإيمان من فضائه غير المحدود إلى دائرة الاعتقاد المحدود، وهذا يخالف طبيعة الإيمان الذي يتفاعل مع التجربة البشرية بكل ما يعتريها من ضعف وخوف وشك وتطلع نحو مزيد من الطمأنينة والرجاء.
وحين نرجع إلى تعريفات علماء العقيدة للإيمان نجد أكثرها لم يكن شاملاً لحقيقة الإيمان بمعناه الإنساني الواسع. ويكفي أن أشير هنا إلى معنى الإيمان في الاصطلاح عند ابن تيمية، والذي يعرفه بأنه: "التَّصديقُ الجازمُ بكلِّ ما أخبَرَ به اللهُ ورسولُهُ مع الإقرارِ والطّمأنينةِ، والقَبولُ والانقيادُ له".
فالتعريف يتحدث عن الإيمان المخصوص بديانة بعينها (الإسلام) ولا يشمل عموم التجارب البشرية للإيمان، والتعريف يرى الإيمان باعتباره تصديقاً جازماً لـ"أخبار"، وهذا يجعل معنى الطمأنينة يتجه نحو "الأخبار" وليس نحو التجربة الإيمانية ذاتها.
كذلك فإن معنى "الانقياد" في التعريف ينطوي على دفقات من السلطة والإكراه التي يسهل أن تتحول إلى قيد وخضوع وإخضاع، وذلك بعيداً عن معنى الطمأنينة التي يحققها الإيمان في قلب المؤمن.
من جمالية معنى الإيمان أنه يُخرج الإنسان عن مفهوم "الإنسان الآلة" الذي يُحوّل الفرد إلى كائن حيوي وظيفي محكوم بحتميات مادية غير معنية بثوابت أخلاقية أو تجارب روحية من شأنها أن تحرره من ثقل تلك الحتميات أو تخفف من وطأتها على حياته.