إن صيانة الروايات من الغلط أو من أن يدخل فيها ما ليس منها ينبغي أن يكون مبنياً على قواعد صلبة وقوية لا تسمح للدخيل بأن يدخل مهما حاول، ولا يكون بالتهاون والتساهل في القواعد والشروط.
وعلى هذا لا بد أن يقول كل راوٍ عدل في السند "حدثني" أو "سمعت" إلى أن ينتهي إلى النبي محمد عليه الصلاة والسلام، فإذا كانت الصيغة بالعنعنة فيكون السند منقطعاً لأنه عرف من عادة الرواة الرواية بالعنعنة فيما لم يسمعوه.
ومن الإشكالات المنهجية في الرواية المعنعنة:
1- إن صيغة (عن) لا تفيد الاتصال لا في اللسان العربي ولا في الواقع ولا يوجد دليل على أن العنعنة تفيد اتصالاً، وما لا دليل عليه فلا قيمة علمياً له، ولا يلزم إلا من يقول به، فكلمة حدثني وسمعت هي الصيغ الصريحة في أن الراوي أخذ الرواية عمن فوقه، وإذا احتج البعض بأنها تحتمل الاتصال وهو احتمال ضعيف جداً لأسباب سنذكرها لاحقاً فنقول: إذا وقع الاحتمال بطل الاستدلال.
2- يقول أمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج [عن فلان عن فلان ليس حديثاً] ويقول أيضاً: [كل حديث ليس فيه حدثنا أو أخبرنا فهو خل وبقل].
وهذا نص صريح من أحد كبار المحدثين بأن العنعنة ليست حديثاً، وأنه لا قيمة لها حين عبر بقوله "خل وبقل".
3- إذا كانت صيغة "حدثني" و"سمعت" من أقوى الصيغ فلماذا يعرض الراوي عن استخدام صيغة "حدثني" و"سمعت" إلى صيغة "عن"؟ ولماذا يستبدل الراوي الذي هو أدنى بالذي هو أعلى؟
4- صيغة العنعنة تحتمل وجود سلسلة من الرواة على مستوى الطبقة الواحدة أفقياً وقد يصل عدد الرواة في بعض الأحيان إلى خمسة وأكثر.
وهنا تدخل الرواية تحت مسمى "الحديث المعضل" لوجود الانقطاع على التوالي.
5- بل حتى صيغة "حدثنا" و"سمعت" والتي هي أعلى الصيغ عند المحدثين ليست مأمونة، ودخلها ما دخلها مما يمنع الثقة بها، بمثل:
أ- [كان أحمد بن حنبل يستنكر دخول التحديث في كثير من الأسانيد ويقول: هو خطأ -يعني ذكر السماع- وقال: وحينئذ ينبغي التفطن لهذه الأمور، ولا يغتر بمجرد ذكر السماع والتحديث في الإسناد].
ب- وذكر الإسماعيلي عن الشاميين والمصريين أنهم يتساهلون في التحديث.
ج- صيغة حدثني قد تطلق في الإجازة تدليساً.
د- تدليس الصيغة: هو أن يعبر الراوي بالتحديث والإخبار في بعض أنواع التحمل التي تحتمل السماع وعدمه موهماً أنه سمعه.
ه- تدليس السكوت: أن يأتي الراوي بلفظ يفيد السماع ثم يسكت وينوب القطع ثم يقول: فلان فيذكر اسم شيخ من شيوخه كهشام بن عروة مثلاً وهو لم يسمع منه الحديث مع شيخ آخر سمع منه.
ز- المرسل الخفي: أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمع منه شيئاً.
ح- يقول المعلمي اليماني في مقدمته على كتاب "الفوائد المجموعة" للشوكاني:
[إذا استنكر الأئمة المحققون المتن وكان ظاهر السند الصحة فإنهم يتطلبون له علة، فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقة حيث وقعت أعلوه بعلة ليست بقادحة مطلقاً ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذلك المنكر، فمن ذلك: إعلاله بأن راويه لم يصرح بالسماع هذا مع أن الراوي غير مدلس...].
وهذا اعتراف غير مباشر أن الرواية المعنعنة لا تفيد اتصالاً حسب ما هو متبع عند جمهور المحدثين.
ط- ابن الصلاح في كتابه [معرفة أنواع علوم الحديث] والمشهور باسم [مقدمة ابن الصلاح]، ذكر أنواع الحديث ثم وصل إلى الحديث المعضل وفرع عليه تفريعات منها الإسناد المعنعن، وهذا التفريع –حسب رأيي- صواب سواء كان بشكل مقصود أو عفوي من ابن الصلاح؛ لأن صيغة (عن) هي من المنقطع وتكرارها في السند يجعل الرواية من قسم المعضل (وهو طبعاً ما لا يقول به ابن الصلاح، ولكن هكذا يفهم من سياق كلامه).
ي- يوجد روايات فيها (فلان عن أبيه) ولم يحكم المحدثون عليها بالسماع (مخرمة بن بكير عن أبيه) فتأمل!
والخلاصة التي نصل إليها أن الحديث الصحيح ينبغي أن يكون مبنيّاً على أسس صارمة، لا على محتملات لسانية أو تقاليد صناعية تراكمت عبر القرون.
وإذا أردنا بالفعل صيانة الروايات المنسوبة للنبي الكريم من الدخيل والمختلق، فعلينا إعادة النظر في قبول العنعنة، والعودة إلى منهج السماع الصريح دون مواربة أو تأويل كخطوة أولى في التثبت من الروايات مع إعمال باقي الأدوات المنهجية والعلمية لقبول الرواية.