الإسلام والإيمان.. بين التصورات الاعتقادية والسلوك الفطري

24-08-2025

القرآن الكريم لم ينـزل ليكون كتاب أحكام جامدة أو سجلاً للقوانين فحسب، ولم يُرسل ليضيف إلى ذاكرة البشر صفحات جديدة من المعلومات التي سرعان ما يطويها النسيان؛ بل جاء لينفض الغبار عن القلب الإنساني، ويعيده إلى أصله الأول، إلى النبع الصافي الذي فطره الله عليه، قبل أن تشوهه الأهواء وتطمره طبقات العادات والموروثات البالية. قال تعالى:

 ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاًۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَاۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِۚ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30].

هذه الفطرة هي القاعدة الصلبة التي يقف عليها وعي الإنسان السوي؛ يولد كل مولود عليها نقيَّ السريرة، سليم الفهم، مستعدّاً لتلقي الحق بلا عناد، كما لخّص النبي ﷺ هذه الحقيقة بقوله: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» [رواه البخاري ومسلم]. ولم يقل ﷺ: "فأبواه يؤسلمانه"، لأن الإسلام في أصله ليس طقساً شكلياً يُفرض على المولود، بل هو الحالة الطبيعية التي يُولد بها الإنسان: صفاء القلب، ونقاء الطوية، وسلوك مسالم لا يعرف الاعتداء والضرر. الإسلام هو صفر أذى، ونفس مطمئنة لا تجرح بلسانها، ولا تؤذي بيدها، بل يكون قلبها معموراً بالتقوى «كفّ الأذى والعدوان مادياً ومعنوياً».

بهذا المعنى العميق، يصبح الإسلام بوابة الإيمان، ويغدو الإيمان منزلة أسمى وأعمق؛ إذ هو أن تكون موضع ثقة في قلوب من حولك، فيأمنوك على أعراضهم ودمائهم وأموالهم. فالإيمان ليس مجرد اعتقاد في القلب أو كلمة تُقال باللسان، بل هو حالة أمان حقيقية يزرعها حضورك في نفوس الناس: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم».

ويكشف القرآن عن أن الإيمان الذي يريده الله ليس انفعالاً لحظياً أو إقراراً لفظياً، بل هو التزام عملي يثمر سلوكاً مستقيماً، كما في مطلع سورة المؤمنون:

 ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ۝ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ۝ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ۝ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: 1-5]، فهنا يصف الله المؤمنين بصفات عملية تحفظ للناس أمنهم وسلامتهم، بدءاً من خشوع القلب إلى كفّ الأذى وحفظ الحقوق.

ومن تمام البيان أن القرآن يوجّهنا إلى الوسيلة الأسمى التي يقوم عليها الإيمان الحق، وهي أن تمنح الأمان للناس انطلاقاً من قيم ثابتة لا تُشترى ولا تُباع، قيم راسخة في الضمير، أسمى ما يكون منها أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، فتجعل من هذه الثوابت آلية ووسيلة لمنح الأمن والثقة، بخلاف من يمنح الأمان خوفاً من العقوبة أو طمعاً في مصلحة، أو تحت عين القانون والكاميرات.

ولخطورة فقدان هذه القيم، جاء تحذير النبي ﷺ في الحديث المشهور عن "المفلس". عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار» [رواه مسلم].

هذا الحديث يهدم التصور القشري للتدين، ويعيد المعيار إلى مكانه الطبيعي: الفطرة السليمة التي ترفض الظلم، ولو كان صاحبه كثير العبادة. فالمفلس في ميزان الآخرة ليس من خسر المال، بل من خسر الأمانة مع الله ومع الناس، فباع حسناته لمن ظلمهم حتى نفدت، ثم حمل أوزارهم.

وهنا نصل إلى ميزان الفطرة الإنسانية، ذلك الميزان الباطني الذي أودعه الله في ضمير كل إنسان، ليكون له سلطة ذاتية قبل أن تأتيه أي شريعة مكتوبة: «ما لا ترضاه لنفسك، لا تفعله لغيرك»، وما تحبه لنفسك، أحبه لغيرك. هذا الميزان الفطري إذا صَحّ، صَحّ معه السلوك كله، وإن انحرف، لم تُقوِّمه كثرة الشعائر إذا خلا قلب صاحبها من الرحمة والعدل. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، وهما عماد الفطرة التي تعصم صاحبها من الضلال إذا لزمهما.

إن الرسالة القرآنية والبيان النبوي يتفقان على أن قيمة الإيمان لا تُقاس بكثرة الألفاظ ولا بتراكم الطقوس، بل بمقدار ما تصنعه من أمن وسلام في حياة الناس. فإذا كان حضورك يزرع الطمأنينة، وكفك يمنع الأذى، ولسانك يصدح بالحق من غير ظلم، فقد أدركت لباب الإسلام، وسلكت سبيل المؤمنين الذين وعدهم الله بالفلاح في الدنيا والآخرة: 

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ … إلى قوله تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. [المؤمنون: 1 وما بعدها]. 

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

«الصحيفة الصادقة».. إيهام العقول وتمرير الأجندة

ياسر العديرقاوي

06-07-2025

آراء الكتاب

لماذا أُمر النبي باتباع ملة إبراهيم؟

ياسر العديرقاوي

17-08-2025

آراء الكتاب

ميراث العباد من النبوة

ياسر العديرقاوي

04-05-2025

آراء الكتاب

مفهوم النشوز في لسان التنزيل بعيداً عن المعاجم

ياسر العديرقاوي

12-05-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة