الأشهر الحرم بين البنية النصيّة والتنوع البيئي «استدراكات على الأسئلة البديهية»

24-07-2025

من المسلمات التي لا تخفى على المتدبر لخطاب التنزيل الحكيم، أن الأحكام الشرعية المرتبطة بسلوك الإنسان في محيطه لا تنفصل عن النظام الكوني الذي رتّبه الله يوم خلق السماوات والأرض. ومن ذلك ما يتعلق بـ(تحريم صيد البر) في زمن مخصوص هو "الأشهر الحرم"، وهو تحريم له علة بيئية واضحة، تتمثل في حماية الحياة البرية خلال مواسم تزاوجها وتكاثرها، لما في ذلك من دور حاسم في حفظ التوازن البيئي كما أوضحنا سابقاً. وقد ورد هذا المعنى بشكل ضمني في عدة مواضع، مما يدل على أن التحريم لا ينبني على مجرد الزمان، بل على ما يحمله الزمان من خصائص تتصل بسنن الخلق وضرورات الحياة الإنسانية ومسرحها.

لكن هذا الفهم البيئي المقاصدي يثير تساؤلاً موضوعياً دقيقاً، مفاده: 

«كيف يُعقل أن تكون هناك أربعة أشهر حُرُمٌ ثابتة محددة ومعلومة لجميع البشر، بينما مواسم تزاوج الكائنات البرية تختلف باختلاف الأقاليم والمناخات»؟!

فليس من المعقول أن يتزامن موسم تزاوج حيوان الكنغر في أستراليا مع موسم بقر النوّ في سرنجيتي بتنزانيا، أو مع الأيائل الجبلية في ألاسكا، أو حيوان اللاما في البيرو. فالحياة البرية محكومة بدورات مناخية محلية لا يمكن توحيدها عالمياً.

ولعل من الإعجاز البياني والدقة المفهومية في النص القرآني، أنه لم يغفل هذه الإشكالية المفترضة، بل ضمن الإجابة عنها في ذات البنية النصية. ففي الآية التأسيسية التي ورد فيها ذكر تلك المنظومة، نجد أن القرآن لم يُعرفها بالألف واللام هكذا «الأشهر الحرم»، وإنما ذكرها على سبيل تحديد العدد المجرد مضافاً لصفة التحريم فقط، وبالتالي عرفها عدداً ووصفاً لا عيناً! قال تعالى: 

{إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌۚ} [سورة التوبة: 36].

فهذه البنية النصية الدقيقة، التي عبّرت عن "الأشهر الحرم" بصيغة غير معرفة، تُشير إلى أن التحديد الزمني لهذه الأشهر ليس واحداً بالتعيين في كل الأمكنة، بل هو مرنٌ يتبع النظام البيئي في اختلاف المواقع الجغرافية والمناخية. وعليه، فإن تحديد "الأشهر الحرم" اسماً وزماناً ليس أمراً توقيفياً في ذاته، وإنما هو توقيفي في العدد (أربعة)، بينما يُترك أمر تعيينها إلى سلطة المكان والعلم، كلٌّ بحسب منطق بيئته ونظام حياته البرية ومواسم تكاثرها.

وعلى هذا الأساس، فإن المناطق الواقعة شمال مدار السرطان مثلاً (كأوروبا، وشمال آسيا، وأمريكا الشمالية) تختلف من حيث البيئة المناخية ونظام الحيوانات البرية، عن المناطق الواقعة جنوب مدار الجدي (كأستراليا، وجنوب إفريقيا، وأمريكا الجنوبية). وبالتالي، فإن الأشهر الحرم لهذه المناطق لا يمكن أن تُوحد على نموذج زمني واحد، بل ينبغي أن تُحدد وفقاً لخطوط العرض الجغرافية، والمناخ المحلي، ودورات التزاوج في البيئة البرية المعينة، بشرط أن يكون على تقويم ثابت موحد لا تتحرك فصوله.

وتتضح أهمية هذا التحديد المتغير حين نعلم أن (العلة البيئية) التي من أجلها شُرعت الأشهر الحرم تتعلق بـ(حماية منظومة التكاثر)، لا بمجرد تحريم القتال كما أوضحنا سابقاً.

ويمكن للدول والهيئات البيئية أن تُزيد من عدد الأشهر الحرم لحماية أنواع مهددة بالانقراض، لكن لا يجوز بأي حال أن تُنقَص عن أربعة؛ لأن هذا هو الحد الأدنى الذي وضعه النص الإلهي التوقيفي من ضمن المحرمات الشمولية والأبدية.

وفي هذا السياق، يُشار إلى أن النص القرآني حين انتقل للحديث عن "الأشهر الحرم" في بيئة نزول الوحي، استخدم التعريف الكامل بلفظ (الأشهر الحرم)، كما في قوله:

{فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍۚ...} [سورة التوبة: 5].

وهذا الاستعمال المعرف يدل على أن المقصود بها هنا تلك الأشهر التي صارت معلومة فيما يخص الميقات الزماني الكلي لموسم الحج، كما سيأتي التفصيل عن «قضية الحج»، وهي: (ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب)، بشرط أن تكون متتابعة كوحدة زمنية واحدة حيث عبر عنها النص بمفهوم الانسلاخ الذي لا يعبر به إلا للوحدة الواحدة المتتابعة كانسلاخ الجلد عن اللحم وانسلاخ قشرة النهار الأرضي عن الليل الكوني: 

{وَءَایَةࣱ لَّهُمُ ٱلَّیۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ} [سُورَةُ يسٓ: ٣٧].

وانطلاقاً من هذا الفهم، فإن المسؤولية تقع على عاتق علماء البيئة والأبحاث البرية والجهات المختصة بالجغرافيا والتنوع الحيوي، لإجراء دراسات ميدانية دقيقة لرصد مواسم التزاوج في كل منطقة جغرافية، ثم تحديد "الأشهر الحرم" الخاصة بها، مع الالتزام بتقويم ثابت ومنضبط. وبهذا تُحترم السنن الإلهية في التكوين، وتتحقق مقاصد الشرع في الحفاظ على الحياة وصيانتها من الإفساد.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

«الصحيفة الصادقة».. إيهام العقول وتمرير الأجندة

ياسر العديرقاوي

06-07-2025

آراء الكتاب

لماذا أُمر النبي باتباع ملة إبراهيم؟

ياسر العديرقاوي

17-08-2025

آراء الكتاب

ميراث العباد من النبوة

ياسر العديرقاوي

04-05-2025

آراء الكتاب

مفهوم النشوز في لسان التنزيل بعيداً عن المعاجم

ياسر العديرقاوي

12-05-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

عمل المرأة وشقاء الرجل، عندما يكون التفسير معطلاً للحقوق

د. عامر الحافي

24-08-2025

ارسل بواسطة