ينطلق هذا المقال من طرح سؤال رئيس مفاده: هل الإسلام واحد أم متعدد؟ ولو طرحنا هذا السؤال على عموم المسلمين لكان الجواب بشكل من البداهة على النحو الآتي: الإسلام هو الإسلام منذ نشأ إلى اليوم، محفوظ كما هو لم يطله التغيير والتبدل بعد ما يزيد عن أربعة عشر قرناً، حفظته العناية الإلهية، وتكفلت المؤسسات التي أنشأها المسلمون عبر تاريخهم الطويل بتجسيد هذا الحفظ واقعاً لا ريب فيه.
قد تكون لهذا الرأي وجاهته لما يوفره من طمأنينة، وهو ما يفسر رواجه باعتباره مسلمة لا يجوز التشكيك فيها، وهو رأي يعكس رؤية ماهوية تتعامل مع الظواهر باعتبارها حقائق جوهرية جامدة وثابتة، بل إن طرح السؤال قد يدفع إلى الريبة في عقيدة من يطرحه. ولكن المسألة في رأينا لا تُطرح من زاوية عقائدية فحسب، بل تحتاج إلى تدبرها من زاوية علمية تاريخية أيضاً. ويكون منطلقنا في ذلك التمييز بين الإسلام باعتباره رسالة دينية قائمة على الوحي الذي تلقاه النبي محمد (ص) بما يتضمنه من عقائد أساسها التوحيد، ومن قيم روحية عليا كالرحمة والعدل والسلم، وبين اندراج هذه الرسالة في التاريخ عبر سيرورة الزمان والمكان.
إن هذا التمييز ضروري حتى نتبين كيف تفاعل المسلمون باعتبارهم فاعلين اجتماعيين عبر أجيالهم المتعاقبة مع ما حملته رسالة الوحي من عقائد وقيم، والطرق التي بها استلهموا تلك الرسالة في تنظيم أحوال معاشهم ومعادهم من خلال إنشاء النظم والمؤسسات. وحين نتحدث عن المسلمين كفاعلين اجتماعيين فإن ذلك يعني أنهم يتصرفون وفق مقتضيات انتمائهم إلى مجتمعاتهم بما يحكمها من قواعد وأعراف وتقاليد، وهم ليسوا فقط مؤمنين بعقيدة ورسالة دينية، بل هم أيضاً بشر منخرطون في حبائل واقعهم، متفاعلون مع تحولاته وخاضعون لإكراهاته، ولهم رهاناتهم الفردية والجماعية بحسب خصوصية البيئات التي يعيشون فيها.
إن الرسالة المحمدية حقيقة لا مراء فيها، نزلت وحياً في القرن السابع ميلادياً في شبه الجزيرة العربية، وانتشار هذه الرسالة خارج منطقة نشأتها الأولى، واستمرار هذا الانتشار عبر الزمن في مختلف أصقاع العالم، حقيقة أيضاً. ولكن ما ندعو إلى الانتباه إليه في ضوء هاتين الحقيقتين هو أن لتطور الزمان وتبدل المكان ودخول مجموعات بشرية متنوعة إلى الإسلام تأثيراً بالغاً في تقبل الرسالة وفهمها بطرق متعددة ومتحولة.
ومن هذه الزاوية، فإذا كانت الرسالة واحدة، فإن اندراجها في التاريخ جعلها متعددة، أي أن هناك من جهة مستوى يمثله الوحي، وهو ذو وظيفة مرجعية يشترك فيها المسلمون كافة، باعتباره يمثل الأرضية العقدية والقيمية الجامعة، وهناك من جهة أخرى مستوى يتعلق بالممارسات والتمثلات والنظم والمؤسسات في أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وهي متعددة بتعدد المجتمعات والبيئات التي انتشر فيها الإسلام.
وينطوي التمييز بين هذين المستويين على فكرة أساسية، وهي أن الإسلام منذ اللحظة التي انقطع فيها الوحي لم يكن هو عينه من حقبة تاريخية إلى أخرى ولا من بلد إلى آخر، فهو يحمل في كل عصر بصمات الزمان والمكان، وإن الإسلام الذي تجسد في التاريخ ليس سوى ما فهمه المؤمنون به وما أنتجوه من تصورات ورؤى في صعيد الفكر، وتنظيمات وهيئات في صعيد الممارسة. ولا مراء في أن هذا الأمر موجب للتعدد والتنوع، فإسلام النشأة مطبوع بخصوصية المكان واللحظة التاريخية، وهو لا محالة شهد تطوراً عندما انتشر في مناطق أخرى كبلاد الشام وبلاد فارس ومصر فيما يُعرف بالشرق الأدنى، فورث منها ثقافاتها وعلومها واقتصاداتها، كما أكد المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل. والأمر نفسه ينطبق على سائر المناطق التي انتشر فيها شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، ناهيك عن تأثير تعاقب الحقب التاريخية والسلالات الحاكمة، ودور فترات القوة وفترات التراجع.
إن رهان هذه الأطروحة هو الوعي بفكرة التعدد والتنوع، ولهذا الرهان وجهان؛ وجه علمي يستجيب لمقتضيات البحث وفق قواعد علم تاريخ الأديان، والإسلام مثله مثل سائر الأديان في هذا المضمار، وهو ما يمكن من تجاوز النظرة التقليدية الضيقة، ولعل أهم قاعدة هي تلك التي تأخذ بعين الاعتبار مسألة تاريخية الظواهر الدينية؛ أي أن الدين عندما يجري في التاريخ يصبح ظاهرة قابلة للدراسة العلمية لالتباسها بواقع البشر. ووجه عملي هدفه تهيئة الأجيال الإسلامية الحالية للتفكير في أوضاعهم الراهنة والبحث عن أجوبة لما يطرحونه من أسئلة، لا سيما في مسائل تهم الدين والعقيدة من خارج دائرة التقليد والتسليم والوصاية، واجتراح أجوبة تلبي حاجياتهم الروحية والنفسية والذهنية الآن وهنا.
ما نخلص إليه هو أن الدين في ذاته متعالٍ ومطلق وخالد، وهو من هذه الناحية حقيقة واحدة قائمة في ضمير المؤمن، وهي حقيقة نفسية ووجودية ولها دور حاسم في تشكيل رؤية العالم والمصير بالنسبة إليه. ولكن من الضروري أن نميز بين الدين في ذاته والدين في التاريخ أو ما نسميه التدين، فهذا التدين ظاهرة بشرية وتاريخية، فهي إذن محكومة بما يحكم الظواهر البشرية والتاريخية من نواميس كالنسبية والتعدد والتطور. فلئن كان المرجع واحداً، فإن طرق تلقيه وكيفيات التفاعل معه فهماً وتطبيقاً متعددة ومتنوعة تنوع البيئات التي انتشر فيها الإسلام، وتعدد الأجيال التي آمنت به، ولعل قابلية الإسلام لهذا التعدد والتنوع سر من أسرار استمراريته التاريخية.