أي وجاهة لحرمان المرأة من نقل جنسيتها لأبنائها بحجة المرجعية الدينية؟

05-06-2025

تختلف التشريعات بين الدول العربية فيما يتعلق بحق الأم في نقل جنسيتها إلى أبنائها؛ فهناك دول تسمح قوانينها المحلية بذلك، ودول أخرى تمنع وتجعل هذا الحق محصوراً في الأب فقط فتنتقل جنسيته تلقائياً إلى الأبناء، وهناك دول تفرض قيوداً وتضع شروطاً ليكون للأم الحق في ذلك. ولئن يتعلق الأمر في هذا المضمار بتشريع ذي صبغة مدنية وضعية ينظم منح الدولة الجنسية لمواطنيها -وللدولة الحق من منطلق السيادة التشريعية في أن تنظم هذه المسألة بما يحفظ سيادتها وأمنها واستقرارها- فإن ما يثير الانتباه هو الاستناد إلى خلفية دينية لتبرير القيود المفروضة على المرأة في منح جنسيتها للأبناء أو حرمانها من هذا الحق مطلقاً، ونطرح في هذا المقال مدى وجاهة هذه التبريرات المستندة إلى مرجعية دينية.

لعله من المفيد بدايةً أن نشير إلى أن الجنسية مفهوم حديث مرتبط بنشأة الدولة الحديثة، وله بعدان سياسي وقانوني، وهي ما يشكل رابطة الفرد بالدولة. ويعود أول تنظيم لموضوع الجنسية في العالم الإسلامي إلى 19 يناير سنة 1869، عندما أصدر الباب العالي قانون الجنسية العثمانية على غرار التشريعات الأوروبية. وانجر عن انقسام "دار الإسلام" فيما بعد إلى وحدات سياسية متعددة في شكل دول تفصل بينها حدود سياسية، أن أصبح التمييز بين رعايا كل دولة من هذه الدول وغيرهم مبنياً لا على أساس ديني، بل على أساس الجنسية. وقد أصدرت هذه الدول قوانين خاصة بالجنسية على أنها رابطة علمانية تحدد انتماء الفرد السياسي والقانوني لدولته، ولم ترتب أي أثر قانوني لديانة الأفراد في تنظيم مادة الجنسية. 

ولم يعرف المسلمون في تاريخهم هذا المفهوم، فهو من الأمور المستحدثة، وقد كان الفقه الإسلامي ينطلق في تحديد أسس الانتماء من تصور يتمثل في تقسيم العالم إلى قسمين رئيسيين هما دار الإسلام ودار الحرب، إضافة إلى دار الصلح ودار العهد والأمان. وكان المسلم يتنقل في دار الإسلام وهو يحمل هوية واحدة، وهي هوية الإسلام باعتبارها معيار التمييز الوحيد بينه وبين غيره (حربي، ذمي، مستأمن..)، ويخضع لقواعد الفقه الإسلامي أينما حل. وتخضع الروابط داخل المجتمع الإسلامي لقاعدتي التبعية والولاء، فوفق القاعدة الأولى يتبع الابن أباه في النسب والدين، وبحسب القاعدة الثانية يرتبط العبد أو المولى بسيده، ويضاف إليهما مفاهيم من قبيل الولاية والتعصيب والإلحاق. وقد استند الفقهاء إلى جملة من النصوص التي تأولوها للنظر في هذه المسألة، ومنها بالخصوص الآية 21 من سورة الطّور: "وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ". أو الحديثان النبويان: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يُهوّدانه ويُنصرانه أو يُمجسانه..."، "الولد للفراش وللعاهر الحَجَر". 

ويقف المتفحص لآراء الفقهاء على افتراقهم إلى رأيين اثنين في مسألة تبعية الولد أبويه إذا أسلما؛ يقول أهل الرأي الأول بتبعية الأبناء لآبائهم، ويعتبرون أن الولد لا يتبع أمه في الإسلام، بل تختص التبعية بالأب؛ لأن النسب له والولاية على الطفل له وهو عصبة، وهو قول الإمام مالك. ويقول أهل الرأي الثاني بتبعية الولد لأبويه، وهو قول الإمام الشافعي، ويحتج ابن قيم الجوزية (ت 751هـ) على من يقول بأن الولاية والتعصيب للأب فتكون التبعية له دون الأم بقوله في مصنَّفه أحكام أهل الذمة: "إن ولاية التربية والحضانة والكفالة للأم دون الأب، وإنما قوة ولاية الأب على الطفل في حفظ ماله، وولاية الأم في التربية والحضانة أقوى، فتبعية الطفل لأمه في الإسلام إن لم تكن أقوى من تبعية الأب فهي مساوية له". 

وهكذا نتبين أن المقالة الفقهية قائمة على تباين وجهات النظر بين فقهاء المذاهب، ويكشف هذا التباين والتعارض عن ميل أغلب الفقهاء، أو "الجمهور" حسب العبارة الفقهية الرائجة، إلى القول بتبعية الولد للأبوين معاً، كما أورد البغوي (ت 516هـ) في تفسيره، أو أحدهما وخصوصاً أمه فهو "جزء منها حقيقة، ولهذا تبعها في الحرية والرق اتفاقاً دون الأب، فإذا أسلمت تبعها سائر أجزائها والولد جزء من أجزائها، ولو أنها أسلمت وهي حامل به حكم بإسلام الطفل تبعاً لإسلامها لأنه جزء من أجزائها"، كما جاء في أحكام أهل الذمة لابن قيم الجوزية.

 والحاصل مما تقدم أن مسألة الجنسية كما هي مطروحة اليوم بوصفها رابطة سياسية قانونية بين المواطنين والمواطنات ودولهم الوطنية الحديثة، كانت غائبة في النص الديني وغير مفكر فيها في أحكام الفقهاء، وأن القياس على المفاهيم التراثية التي تحكم قضية النسب والدين على غرار التبعية والإلحاق والتعصيب والولاء، قياس مغلوط من الناحية المنهجية؛ لأن طرفي القياس لا نسبة بينهما، فالأول أي الجنسية رابطة قانونية بين الفرد والدولة مستحدثة في إطار الاجتماع السياسي المعاصر القائم على مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، والثاني وهو التبعية أو الإلحاق وغيرهما رابطة بين الفرد وغيره داخل العائلة أو العشيرة أو القبيلة قوامها الدين والنسب، فضلاً عن أن رفض حق الأم في منح جنسيتها لأبنائها اعتماداً على هذا القياس متهافت لِما وجدناه بين الفقهاء من اختلاف. وهكذا تبدو المرجعية الدينية والفقهية ذريعة تخفي الذهنية الذكورية ذات المنحى التمييزي، التي تعمل على تكريس أفضلية الرجل ودونية المرأة، بناءً على تصور مخصوص لمفهوم قوامة الرجل وولايته على المرأة.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (3) الفرائض في القرآن بين المصرَّح به والمسكوت عنه

د. فريد بن بلقاسم

05-04-2025

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (4) علم الفرائض بين الديني والثقافي

د. فريد بن بلقاسم

20-04-2025

آراء الكتاب

بأي معنى يمكن أن نفهم أن القرآن صالح لكل زمان ومكان؟

د. فريد بن بلقاسم

06-01-2025

آراء الكتاب

زواج المسلمة بغير المسلم بين القرآن والمقالة التفسيرية والفقهية

د. فريد بن بلقاسم

22-05-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة