لا يمكن أن نتحدث عن "علم الحديث" دون أن نتطرق إلى إسناد الحديث، ولا يمكن أن نناقش الإسناد دون أن نقف على "علم الرجال" أو "علم طبقات الرجال"، الذي يُعتبر أحد فروع "علم الرجال".
وكما هو معلوم فإن نسبة حديث للرسول قائمة بالأساس على الشك الكبير، لذلك فور أن يقول لك قائل حديثاً فإنك ستُسائله مباشرةً عن إسناد الحديث "العنعنة"، ومن هنا تم اختراع الإسناد المكوَّن من مجموعة من الرواة يسمونهم رجال الحديث، لينشأ بعد ذلك ما تم الاصطلاح عليه بعلم الرجال، الذي هو في تعريفهم: "علم يبحث فيه عن جرح الرواة وتعديلهم بألفاظ مخصوصة وعن مراتب تلك الألفاظ"، ويُطلق عليه أيضاً "علم رجال الحديث"، ويُسمى أيضاً "علم الجرح والتعديل"، وهو أحد فروع "علم الحديث"، يُبحث فیه عن أحوال رواة الحديث من حيث اتصافهم بشرائط قبول رواياتهم أو عدمه، وقيل في تعريفه أيضاً: "هو علم وضع لتشخيص رواة الحديث، ذاتاً ووصفاً، ومدحاً وقدحاً".
لذلك فهم لم يتفقوا على تجريح الرواة ولا على تعديلهم؛ لأن أحكامهم هي آراء نسبية لا تعتمد معايير علمية دقيقة، فلنفرض جدلاً أن "مسلم" روى في صحيحه حديثاً عن سلسلة من الرواة تبلغ ستة أجيال مثلاً، فسيكون بالبداهة آخرهم هو من رآه الشيخ مسلم مباشرة، أما الخمسة الآخرون فلم يرَهم ولم يلتقِ بهم مسلم، فكيف يمكن عقلاً وعلماً وبداهةً إثبات أنهم فعلاً رووا عن رسول الله هذا الحديث الذي ادعى مسلم أنه نقله عن شيخه، فحسن الظن بالشخص بأنه صادق في نقله لا يضمن أنه صادق فعلاً وأنه تقي حقاً؛ لأن البشر لا يمكنهم الشق على قلوب الناس لمعرفة حقائقها؛ فالتقوى والصلاح من البواطن التي لا يعلمها إلا الله، وحتى إذا أمكن للراوي الحكم نسبياً على شيخه الذي عاشره وأخذ عنه فكيف يمكنه الحكم على أشخاص لم يرَهم ولم يلتقِ بهم، وبهذا أصبح فعلاً "علم الرجال" أكذوبة وخرافة لا علاقة لها بالمنطق والعقل وبالمنهج العلمي الصائب الراجح.
ثم إن "علم الرجال" انصبَّ على دراسة رجال الحديث دون النظر في المتن –وهو الأهم- فبدأوا يجرحون على هواهم، متأثرين بالعصبية المذهبية، وبالشائعات أحياناً، حتى إن الحافظ الذهبي اتهم الشيخ البخاري بالتدليس؛ حيث قال في سير أعلام النبلاء "ترجمة الذهلي" ج12/275 عند تعداد الرواة عن الذهلي ما نصه :
(روى عنه خلائق، منهم: ... ومحمد بن إسماعيل البخاري، ويُدلِّسُهُ كثيراً!!!، لا يقول: محمد بن يحيى!! بل يقول محمد فقط!! أو محمد بن خالد!! أو محمد بن عبد الله، يَنسبهُ إلى الجدّ، ويُعَمِّي اسمه، لمكانِ الواقع بينهما!!! غفر الله لهما) انتهى بعينه.
بل إن بعضهم اتهم البخاري في عقيدته ونسب إليه قولاً يفيد أن القرآن مخلوق بلفظه، ونجد رجالاً وثقهم البخاري ضعفهم آخرون، ورجالاً ضعفهم البخاري وثقهم آخرون، وأيضاً تعديل وتجريح الرجال خضع للأهواء المذهبية؛ فرجال السنة الموثقون لديهم يضعفهم الشيعة، ورواة الشيعة الموثقون لديهم يضعفهم السنة، وهكذا، لنخلص في النهاية إلى أن علم الرجال أكذوبة تاريخية تم التهويل بشأنها من أجل نسبة أحاديث للرسول هو بريء منها.
إن علم الرجال يعني ببساطة أن المحدثين يستدلون على الحقيقة بالرجال، ويهتمون بمَن قال أكثر مما قال، وهنا يحق لنا أن نسأل كل ذي عقل حصيف: هل كان الصحابة كلهم عدولاً، وكلهم أتقياء، وكلهم على مرتبة واحدة من العلم، أم هم في الحقيقة أصناف وأنواع يجب أخذ الحيطة والحذر عند الأخذ منهم وعنهم؟